الكفار ، أن يقتلوهم مثل خشية عقاب (اللهِ) أو أشد خشية منه. (وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ) فى هذا الوقت (لَوْ لا) : هلا (أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) نتمتع فيه بحياتنا أو إلى أن نموت بآجالنا. قلت : والظاهر أنهم قالوا ذلك فى نفوسهم ، خواطر خطرت لهم ، ولم يفوهوا به ، إن نزلت فى الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ، وإن كانت فى المنافقين فيمكن أن ينطقوا بها.
(قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ) وعيشها ذليل ، وأجلها قريب ، (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى) ، وحياتها خير وأبقى ، وستقدمون على مولاكم ، فيكرم مثواكم ، ويوفيكم جزاء أعمالكم ، (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) من ثواب أعمالكم ، ولا تنقصون من أيام أعماركم ، جاهدتم أو قعدتم.
(أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) عند انقضاء آجالكم ، (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) عالية محصنة. فإن كان الموت لا بد منه ففى الجهاد أفضل ، لأنه حياة لا موت بعده. قال الكلبي : نزلت فى قوم من الصحابة ، منهم : عبد الرحمن بن عوف ، والمقداد وقدامة بن مظعون وغيرهم ، كانوا يؤذون بمكة ، ويستأذنون النبي صلىاللهعليهوسلم فى القتال ، فيقول لهم : كفوا أيديكم حتى يؤذن فيه لكم ، فلما هاجروا إلى المدينة وأمروا به ، كرهه بعضهم كراهية الطبع البشرى ، فخطر ببالهم شىء مما حكى الله عنهم. فلما كانوا فى عين العناية ومحل القرب والهداية عوقبوا على تلك الخواطر ، ولو كان غيرهم من أهل البعد لسومح له فى ذلك ، وقيل : نزلت فى قوم من المؤمنين أمروا بالجهاد فنافقوا من الجبن ، وتخلفوا عن الجهاد ، وهذا أليق بما بعده من قوله : (إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ). والله تعالى أعلم.
الإشارة : نرى بعض الفقراء يبطشون إلى مقام التجريد ومجاهدة نفوسهم قبل كمال يقينهم ، فإذا أمروا بذلك ، ورأوا ميادين الحروب واشتعال نيران قتل النفوس ، وأمروا بالصبر على المكاره ، من مواجهة الإنكار ولحوق الذل والافتقار ، جبنوا وكلّوا ورجعوا القهقرى ، فيقال لهم : متاع الدنيا قليل وعزيزها ذليل ، وغنيها فقير ، وكبيرها حقير ، وما تنالون من الله فى جزاء مجاهدتكم خير وأبقى ، ولا تظلمون فتيلا من مجاهدتكم لنفوسكم ، فلو صبرتم لفزتم بالوصول إلى حضرة ربكم ، فلما جبنتم ورجعتم ، كان جزاؤكم الحرمان ، عما ظفر به أهل العرفان.
وفى مثل هؤلاء يقول ابن الفارض رضي الله عنه :
|
تعرّض قوم للغرام وأعرضوا |
|
بجانبهم عن صحّتى فيه واعتلوّا |
|
رضوا بالأمانى ، وابتلوا بحظوظهم |
|
وخاضوا بحار الحبّ ، دعوى ، فما ابتلّوا |
|
فهم فى السّرى لم يبرحوا من مكانهم |
|
وما ظعنوا فى السير عنه ، وقد كلّوا |
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
