قال ابن عباس : إنّ منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهوديّ إلى النّبىّ صلىاللهعليهوسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم اختصما إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فحكم لليهودى بالحق ؛ فلم يرض المنافق ، وقال : نتحاكم إلى عمر ، فقال اليهودي : نعم فذهبا إلى عمر رضي الله عنه فقال اليهودي : قضى لى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فلم يرض بقضائه وخاصم إليك. فقال عمر للمنافق : أكذلك؟. قال : نعم ، فقال : على رسلكما حتى أخرج إليكما ، فدخل وأخذ سيفه فخرج ، فضرب به عنق المنافق حتى برد (١) ، وقال : هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله وسوله ، فنزلت الآية .. وقال جبريل عليهالسلام : إن عمر فرّق بين الحق والباطل. فسمى الفاروق.
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ) أي : بعضهم ، (يَصُدُّونَ عَنْكَ) غير راضين بحكمك (صُدُوداً) عظيما. (فَكَيْفَ) يكون حالهم (إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) كقتل عمر المنافق ، بسبب ما قدمت (أَيْدِيهِمْ) من عدم الرضى بحكم الله ، (ثُمَّ جاؤُكَ) يطلبون ديّة صاحبهم ، (يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا) بالانصراف إلى عمر (إِلَّا إِحْساناً) منه بالخصمين ، (وَتَوْفِيقاً) بينهما ، قطعا للنزاع بينهما ، قال تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ) من النفاق ، فلا يغنى عنهم الكتمان والحلف الكاذب من الله شيئا ، أو يعلم الله ما فى قلوبهم من الطمع فى الدية ، (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) ، أي : عن قبول معذرتهم ولا تمكنهم من طمعهم ، (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ) ، أي : خاليا بهم (قَوْلاً بَلِيغاً) يبلغ إلى قلوبهم ، ويؤثر فيهم ، لينزجروا عن طلب دم صاحبهم ، وإنما أمر أن يعظهم خاليا بهم لأن النصح فى ذلك أنجح ، وأقرب للقبول ، ولذلك قيل : من نصحك وحدك فقد نصحك ، ومن نصحك مع الناس فقد فضحك. والله تعالى أعلم.
الإشارة : كل من دخل تحت ولاية شيخ التربية ، وجب أن يرد حكوماته كلها إليه ، ويرضى بما قضى عليه ، وترى بعض الفقراء يزعمون أنهم فى تربية الشيخ وتحت أحكامه ، ثم يتحاكمون إلى حكام الجور وقضاة الزمان فى أمر الدنيا وما يرجع إليها ، فهؤلاء قد ضلوا ضلالا بعيدا. إلا أن يتوبوا ويصلحوا ما أفسدوا ، بإصلاح قلب الشيخ حتى يجبر كسرهم ، فالمريد الصادق لا يصل إلى الحاكم ، ولو ذهب ماله كله. فإن كان ولا بد. فليوكل عنه فى ذلك.
فكيف إذا أصابت هؤلاء مصيبة وهى ظلمة القلب ، وفتنة الدنيا بسبب ما قدمت أيديهم من تخطى حكم شيخهم إلى حكم غيره ، ثم جاؤوك يحلفون بالله ما أردنا إلا إحسانا وهو حفظ مالنا ، وتوفيقا بيننا وبين خصمنا ، فيجب على الشيخ أن يعرض عن عتابهم ويذكرهم حتى يتوبوا ،. فإن تابوا فإن الله غفور رحيم.
__________________
(١) أي : مات.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
