قلت : وينسحب التوبيخ على من فضّل أهل الظاهر على أهل الباطن ، وفضّل العلماء على الأولياء ، ويقولون : هم أهدى منهم سبيلا. هيهات! بينهم من البون ما بين السماء والأرض.
والكلام إنما هو فى التفضيل بين العارفين بالله ، الذين جمعوا بين الفناء والبقاء ، وبين العلماء والأتقياء. وأما العبّاد والزهاد والصالحون فلا شك أن العلماء الأتقياء أفضل منهم ، وإليهم أشار صلىاللهعليهوسلم بقوله : «فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم». وكذلك الأحاديث التي وردت فى تفضيل العلماء. وأما العارفون بالله فهم أعظم العلماء ، لأن علمهم متعلق بذات الله كشفا وذوقا ، وعلماء الظاهر علمهم متعلق بأحكام الله. مفرقون عن الله ، بل هم أشد حجابا من غيرهم عن الله. قال بعض الأولياء : أشد الناس حجابا عن الله : العلماء ثم العباد ثم الزهاد. ه. لأن حلاوة ما هم فيه تمنعهم عن الانتقال عنه ، وقد تقدم الكلام عند قوله : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (١) بأبلغ من هذا. والله تعالى أعلم.
ثم ردّ الحق تعالى على اليهود ، حيث ادعوا أن الملك سيصير إليهم ، فقال :
(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣))
قلت : «أم» : منقطعة ، بمعنى بل ، والهمزة للإنكار ، وهو إنكار وجحد لما زعمت اليهود من أنّ الملك سيصير لهم ، و (إذا) إن فصل بينها وبين المضارع ب ـ «لا» ففيها الإهمال والإعمال ، وقد قرئ : (وإذا لا يلبثوا) ، والنقير : النقرة التي فى ظهر النواة ، وهو هنا كناية عن نهاية بخلهم.
يقول الحق جل جلاله منكرا على اليهود : أيحصل لهم (نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) والرياسة؟ هيهات ، لا يكون هذا أبدا ، فكيف يكون لهم الملك وهم أبخل الناس؟. فإذا أوتوا شيئا من الملك لا يعطون الناس نقيرا ، فما بالك بأكثر ، والملك والنصر لا يكونان إلا لأجل الكرم والجود والشجاعة ، وإصابة الرأى وحسن التدبير ، وهم بعداء من هذه المكارم.
الإشارة : لا يمكن الله من العز والنصر والتصرف الظاهر أو الباطن إلا أهل السخاء والجود ، فمن جاد بماله حتى لا يبالى كم أعطى ولا لمن أعطى ، مكّنه الله من العز والتصرف الحسى ، ومن جاد بنفسه وجاهه ، وبذلهما فى مرضاة ربه ، مكّنه الله من العز والنصر والتصرف المعنوي ؛ يتصرف بهمته فى الوجود بأسره ، من عرشه إلى فرشه ، ويدوم عزه ونصره إلى أبد الأبد. والله تعالى أعلم.
__________________
(١) راجع إشارة الآية ١١٠ من سورة آل عمران.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
