وهذه الآية كانت سبب إسلام كعب الأحبار ، سمعها من بعض الصحابة فأسلم فى زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والمسخ جائز على هذه الأمة ، كما وقع فى الأمم السابقة ، بدليل ما فى كتاب الأشربة من البخاري أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «ليكوننّ من أمّتى أقوام يستحلّون الحر والحرير ، والخمر والمعازف ، ولينزلنّ أقوام إلى جنب علم ، يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة ، فيقولون : ارجع إلينا غدا ، فيبيّتهم الله ، ويضع عليهم العلم ، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة».
الإشارة : حملة الشريعة يخاطبون بالإيمان بأهل الحقيقة ، لأنها لبها وصفاؤها ، فإن امتنعوا من الإيمان بها ومن الإذعان لأهلها ، طمس الله وجوه قلوبهم ، وملأها خوفا وجزعا وحبّا للدنيا ، وردها على أدبارها ، فلا تفهم أسرار الكتاب ولا تفقه إشارة الخطاب ، فإن قصّروا عن حقوق الشريعة ، وغيّروا أحكامها مسخوا قردة وخنازير. وفى نوادر الأصول بسنده إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «تكون فى أمّتى قزعة (١) ، فيصير النّاس إلى علمائهم ، فإذا هم قردة وخنازير».
قال الترمذي الحكيم : فالمسخ : تغيير الخلقة عن جهتها ، فإنما حل بهم المسخ لأنهم غيّروا الحق عن جهته ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، فمسخوا عن أعين الخلق ، وقلوبهم عن رؤية الحق. فمسخ الله صورهم وبدّل خلقتهم ، كما بدلوا الحق باطلا. ه. وبالله التوفيق.
ولما دعاهم إلى الإيمان ، أخبرهم أنهم إن داموا على الكفر لا مطمع لهم فى الغفران ، فقال :
(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨))
يقول الحق جل جلاله : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) لأنه بتّ الحكم على خلود عذابه ، لأن الله تعالى غيور لا أحد أغير منه. كما فى الحديث ، ومن عادة الملوك إذا خرج أحد من رعيته ونصر غيره لا يقبل منه إلا الرجوع أو الموت. ولا شفاعة تنفع فيه غير الرجوع عنه ، (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ) الشرك (لِمَنْ يَشاءُ) من الكبائر والصغائر. تاب أم لا. فالعصاة إذا لم يتوبوا فى مشيئة الله ، (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً) ؛ ارتكب ما تستحقر دونه الآثام. وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب ، والله تعالى أعلم.
__________________
(١) فى الأصول «فزعة» بالفاء ، والمثبت هو الذي الجامع الكبير للسيوطى وكنز العمال. والقزعة : قطعة من الغيم وجمعها : قزع.
انظر النهاية فى غريب الحديث (قزع).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
