وقال القشيري : الإشارة فيه : إنى متوفيك عنك وقابضك منك ، ورافعك عن نعوت البشرية ، ومطهرك عن إرادتك بالكلية ، حتى تكون مصدقا لنا بنا ، ولا يكون لك من اختيارك شىء ، وتكون إسبال التولي عليك قائما ، وبهذا الوصف كان يظهر على يده إحياء الموتى ، وما كانت تلك الأحداث حاصلة إلا بالقدرة عليه. ه. وقال الورتجبي : متوفيك عن رسم الحدوثية ، ورافعك إلىّ بنعت الربوبية ، ومطهرك عن شوائب البشرية. ه.
ثم ذكر نشأة عيسى وخلقه ، فقال :
(إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠))
يقول الحق جل جلاله : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ) أي : إن شأنه الغريب فى كونه وجد من غير أب (كمثل آدم). ثم فسر شأن آدم فقال : (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) أي : خلق قالبه من تراب ، (ثُمَ) نفخ فيه الروح ، و (قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي : فكان ، فشأنه أغرب من شأن عيسى ، لأنه وجد من غير أب ولا أم ، بخلاف عيسى عليهالسلام ، فلا يستغرب حاله ويتغالى فيه إلا من طبع الله على قلبه ، فاستعجز القدرة الإلهية ، (وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً). هذا هو (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي : الشاكين فى مخلوقيته ، وهذا خطاب للنبى صلىاللهعليهوسلم ، على طريق التهييج لغيره ، أو لكل سامع.
وسبب نزول الآية : أنّ وفد نجران قالوا للنبى صلىاللهعليهوسلم : مالك تشتم صاحبنا ، فتقول : إنه عبد؟ قال : أجل ، هو عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول ، فغضبوا ، وقالوا : هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله. فنزلت : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ). أي : فهو أعجب من عيسى ، لكونه بلا واسطة أصلا. روى أن مريم حملت بعيسى وهى بنت ثلاث عشرة سنة ، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة ، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين.
قال عليه الصلاة والسلام : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم ؛ لأنه لم يكن بينى وبينه نبى ، فإنه نازل بأمتى وخليفتى فيهم ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، سبط الشعر ، كأن شعره يقطر ، وإن لم يصبه بلل ، يدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويفيض المال ، وليسلكن الروحاء (١) ، حاجا أو معتمرا ، أو ليثنينّهما جميعا ، ويقاتل الناس على الإسلام ، حتى يهلك الله فى زمانه الملل كلها ، ويهلك الله فى زمانه مسيح الضلالة ، الكذاب
__________________
(١) فج الروحاء : طريق بين مكة والمدينة ، كان طريق رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى بدر ، وإلى مكة ، عام الفتح وعام الحج.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
