ثم ذكر الحق تعالى قصة جالوت وملك داود عليهالسلام ، فقال :
(وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢))
يقول الحق جل جلاله : ولما برز طالوت بمن معه (لِجالُوتَ) ، أي : ظهر فى البراز ، ودنا بعضهم من بعض ، تضرعوا إلى الله واستنصروه ، وقالوا : (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً) أي : اصببه علينا صبّا ، (وَثَبِّتْ أَقْدامَنا) عند اللقاء لئلا نفرّ ، (وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ). وفى دعائهم ترتيب بليغ ؛ سألوا أولا إفراغ الصبر فى قلوبهم الذي هو ملاك الأمر ، ثم ثبات القدم فى مداحض الحرب المسبب عنه ، ثم النصر على العدو المرتب عليها غالبا.
فهزم الله عدوّهم وأجاب دعاءهم بإذنه وقدرته ، (وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ). وقصة قتله : أن أصحاب طالوت كان فيهم بنو إيش ، وهو أبو داود عليهالسلام ستة أو سبعة ، وكان داود صغيرا يرعى غنما ، فلما حضرت الحرب قال فى نفسه : لأذهبن لرؤية هذه الحرب ، فمرّ فى طريقه ، بحجر فناداه : يا داود خذنى ، فبى تقتل جالوت ، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها ، وجعلها فى مخلاته وسار ، فلما حضر البأس خرج جالوت يطلب البراز ، وكاع (١) الناس عنه ، أي : تأخروا خوفا ، حتى قال طالوت : من يبرز له ويقتله فأنا أزوجه ابنتي ، وأحكّمه فى مالى ، فجاء داود ، فقال له طالوت : اركب فرسى وخذ سلاحى ، ففعل ، وخرج فى أحسن شكله ، فلما مشى قليلا رجع ، فقال الناس : جبن الفتى ، فقال داود : إن الله سبحانه لم يقتله ولم يعنى عليه ، لم ينفعنى هذا الفرس ولا هذا السلاح ، ولكنى أحب أن أقاتله
__________________
(١) كاع فلان : جبن وضعف.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
