قلت : قال فى القاموس : غرف الماء يغرفه : أخذه بيده ، كاغترفه ، والغرفة للمرّة ، وبالكسر : هيئة الغرف وبالضم : اسم للمفعول ، كالغرافة ، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة ، ثم قال : والغرفة ، بالضم : العلّيّة (١).
يقول الحق جل جلاله : ولما اتفقوا على ملك طالوت تجهز للخروج ، وقال : لا يخرج معه إلا الشباب النشيط الفارغ ليس وراءه علقة (٢) ، فاجتمع ممن اختار ثمانون ألفا ، وقيل : ثلاثون ، فلما انفصل عن بلده بالجنود وساروا فى البيداء ، ـ وكان وقت الحرّ والقيظ ـ عطشوا ، وسألوا طالوت أن يجرى لهم نهرا ، فقال لهم بوحي ، أو بإلهام ، أو بأمر نبيهم : (إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ) أي : مختبركم (بِنَهَرٍ) بسبب اقتراحكم ، (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ) كرعا بلا واسطة (فَلَيْسَ مِنِّي) أي : من جيشى ، (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ) أي : يذقه ، (فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) فإنها تكفيه لنفسه ولفرسه ، فالاستثناء من الجملة الأولى.
(فَشَرِبُوا مِنْهُ) أي : كرعوا ، وسقطوا على وجوههم ، (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) ثلاثمائة وأربعة عشر ، على عدد أهل بدر ، وقيل : ألفا. روى أن من اقتصر على الغرفة كفته لشربه ودوابه ، ومن لم يقتصر غلب عطشه ، واسودّت شفته ولم يقدر أن يمضي. وعن ابن عباس : أن القوم شربوا على قدر يقينهم : فالكفار شربوا شرب الهيم ، وشرب العاصي دون ذلك ، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا ، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا ، وأخذ بعضهم الغرفة ، فأما من شرب فاشتد به العطش وسقط ، وأما من ترك الماء فحسن حاله ، وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. ه.
وحكمة هذا الامتحان : ليتخلص للجهاد المطيعون المخلصون ، إذ لا يقع النصر إلّا بهم ، فلما جاوز النهر طالوت ومن بقي معه ممن لم يشرب قال بعضهم لبعض : (لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ) ؛ لكثرتهم وقلة عددنا ، (قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ) أي : يتيقّنون (أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ) ويتوقعون ثواب الشهادة وهم الخلّص من أهل البصيرة : لا تفزعوا من كثرة عددهم (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ) وإرادته ومعونته ، و «كم» للتكثير ، (وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) بالنصر والمعونة.
الإشارة : قال بعض الحكماء : الدنيا كنهر طالوت ، لا ينجو منها إلا من لم يشرب أو اغترف غرفة بيده ، فمن أخذ منها قدر الضرورة كفته ، ونشط لعبادة مولاه ، ومن أخذ فوق الحاجة حبس فى سجنها ، وكان أسيرا فى يدها.
__________________
(١) العلية بضم العين وكسرها ـ هى الغرفة في الطبقة الثانية من الدار وما فوقها ، وجمعها (علالى)
(٢) أي : ما يتعلق به وجمعها علق. وذلك كتجارة ، وزوجة لم يدخل بها ، وغير ذلك.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
