روى أن اليهود كانوا يقولون : من جامع امرأته من خلفها فى قبلها جاء الولد أحول ، فذكر ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوسلم فنزلت. وقيل : إنّ قريشا كانوا يأتون النساء من قدّام ، مستلقية ، والأنصار كانوا يأتوهن من خلف ، باركة ، فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار ، فأراد أن يفعل عادته ، فامتنعت ، وأرادت عادتها ، فاختصما إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فنزلت الآية بالتخيير للرجل ، مع الإتيان فى المحل. وأما الإتيان فى الدّبر فحرام ، ملعون فاعله ، وقال فى القوت : (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) أي : فى أي وقت شئتم ، ومن أي مكان شئتم ، مع اتحاد المحل. ه.
ثم حذّر الحق تعالى من متابعة شهوة النساء ، والغفلة عن الله ، فقال : (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) ما تجدون ثوابه مدخرا عنده ، وهو ذكر الله فى مظان الغفلة ، قيل : التسمية قبل الوطء وقيل : طلب الولد ، والتحقيق : أنه الحضور مع الحق عند هيجان الشهوة ، قال بعض العارفين : إنى لا أغيب عن الله ولو فى حالة الجماع. ه. وهذا شأن أهل الجمع ، لا يفترقون عن الحضرة ساعة. وهذه التقوى التي أمر الله بها بقوله : (وَاتَّقُوا اللهَ) أي : لا تغيبكم عنه شهوة النساء ، (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) فترون وبال الغفلة وجزاء اليقظة ، (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) بالقرب من رب العالمين.
الإشارة : إذا سئلت ـ أيها العارف ـ عن النفس فى حال جنابتها بالغفلة ، وحال تلبسها بنجاسة حب الدنيا ، فقل : هى أذى ، أي : قذر ونجس ، من قرب منها لطّخته بنجاستها ، فلا يحل القرب منه ، أو الصحبة معها ، حتى تطهر من جنابة الغفلة باليقظة ، ومن نجاسة حب الدنيا بالزهد ، ورفع الهمة عنها ، فإذا تطهرت فأتها ، وردها إلى حضرة مولاها ، كما أمرك الله ، (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) ، وقد تابت ورجعت إلى مولاها ، (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ، وقد تطهرت من جنابة الغفلة ، وتنزهت عن نجاسة الدنيا برفع الهمة ، فصارت لك أرضا لزراعة حقوق العبودية ، ومنبتا لبذر شهود عظمة الربوبية ، فأتوا حرثكم ـ أيها العارفون ـ أنى شئتم ، أي : ازرعوا فى أرض نفوسكم من أوصاف العبودية ما شئتم ، وفى أي وقت شئتم.
فبقدر ما تزرعون من العبودية تحصدون من الحرية. وبقدر ما تزرع فيها من الذل تحصده من العز ، وبقدر ما تزرع فيها من الفقر تحصده من الغنى ، وبقدر ما تزرع فيها من التواضع تحصده من الشرف والرفعة.
والحاصل : بقدر ما تزرع فيها من السفليات تحصد ضده من العلويات. قال تعالى : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ). فإذا تركتها هملا ، أنبتت لك الشوك والحنظل. (وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) من أوصاف العبودية ما تجدونه أمامكم من مشاهدة الربوبية ، واتقوا الله فلا تشهدوا معه سواه ، واعلموا أنكم ملاقوه حين تغيبون عن وجودكم وتفقدونه ، وبشر المؤمنين الموقنين بشهود رب العالمين.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
