الله تعالى : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) فإذا ماتت نفس المريد. واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم ، والغنى والفقر ، والموت والحياة ، فقد حييت روحه واتسع عليها فضاء الشهود ، وتمتعت بالنظرة إلى الملك المعبود. فلا يزيدها الموت الحسى إلا اتصالا وتمتعا وشهودا ، فهى فى الترقي أبدا سرمدا ، ولكن لا تشعرون بما هم فيه فى هذه الدار وفى تلك الدار.
ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق : والله لنبلونكم يا معشر المريدين بشئ من إذاية الخلق وتضييق الرزق ، وذهاب الأموال ، وضعف الأبدان بالمجاهدة ، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ؛ ليظهر الصادق فى الطلب بالثبوت فى أحكام العبودية ، حتى تشرق عليه أنوار الربوبية ، من الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات ، والركون إلى الرخص والتأويلات ، (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) الثابتين فى الطلب ، بالظفر بكل ما أمّلوا ، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا ، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية ، وتعلقوا بقوة الربوبية ، فرجعوا إلى الله فى كل شىء ، فآواهم إليه من كل شىء ، أولئك عليهم تحنّن من ربهم وتقريب ، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب.
قال ابن جزى : (فائدة) ورد ذكر الصبر فى القرآن فى أكثر من سبعين موضعا ؛ وذلك لعظم موقعه فى الدين ، قال بعض العلماء : كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر ، فإنه لا يحصر أجره ؛ لقوله تعالى : (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ). وذكر الله للصابرين ثمانيا من الكرامات :
أولها : المحبة ، قال : (وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) ، والثاني : النصر : قال : (إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ، والثالث : غرفات الجنة ، قال : (يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا) ، والرابع : الأجر الجزيل ، قال : (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) والأربعة الأخرى المذكورة فى هذه الآية ، فمنها البشارة قال : (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، والصلاة والرحمة والهداية قال : (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).
والصبر على أربعة أوجه : صبر على البلاء ، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع ، وصبر على النعم ، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبر بها ، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها ، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها. وفوق الصبر التسليم ، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهرا ، وترك الكراهية باطنا ، وفوق التسليم الرضا بالقضاء ، وهو سرور النفس بفعل الله ، وهو صادر عن المحبة ، وكل ما يفعل المحبوب محبوب. ه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
