ثم كرر الحق تعالى الأمر بالتوجه إلى الكعبة لعلة أخرى سيذكرها ، فقال : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) وحيثما حللتم (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ). قال البيضاوي : كرر هذا الحكم لتعدد علله ، فإنه تعالى ذكر للتحول ثلاث علل : تعظيم الرسول صلىاللهعليهوسلم بابتغاء مرضاته ، وجرت العادة الإلهية على أن يولّى أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها ، ودفع حجج المخالفين على ما بينه ، وقرن كل علة بمعلولها ، مع أن القبلة لها شأن ، والنسخ من مظان الفتنة والشبهة ، فبالحرى أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى. ه.
ثم ذكر العلة الثالثة وهى دفع حجج المخالفين ، فقال :
(... لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠))
قلت : الاستثناء من (الناس) أي : لئلا يكون لأحد من الناس حجة عليكم إلا المعاندين منهم ، و (لأتم) متعلق بمحذوف ، أي : ولإتمام نعمتى عليكم وإرادة اهتدائكم أمرتكم بالتحول ، أو معطوف على محذوف ؛ أي : واخشوني لأحفظكم ولأتم نعمتى عليكم.
يقول الحق جل جلاله : وإنما أمرتكم بالتوجه إلى الكعبة دون الصخرة لتدفع حجج الناس ، فإن اليهود ربما قالوا : المنعوت فى التوراة قبلته الكعبة ، وهذا يستقبل الصخرة ، أو إن محمدا يخالف ديننا ويستقبل قبلتنا. والمشركون ربما قالوا : يدعى ملة إبراهيم ويخالف قبلته ، فأمرتكم باستقبال القبلة دفعا لحجج الناس ، إلا المعاندين منهم فلا ينقطع شغبهم ، فإنهم يقولون : ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه ، وحبا لبلده ، أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ، ويوشك أن يرجع إلى دينهم.
فلا تخافوهم ولا تلتفتوا إلى مطاعنهم ، فإنها لا تضركم ، (وَاخْشَوْنِي) أكفكم شرهم ، فإن من خافنى خاف منه كل شىء ، ومن لم يخشنى خاف من كل شىء ، وأمرتكم أيضا بالتوجه إلى قبلة جدكم (لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) بإقرار عين نبيكم ، وإرادة اهتدائكم ، فاشكروا ما أوليتكم ، واذكروا ما به أنعمت عليكم أزدكم من فضلى وإحسانى ، وأسبغ عليكم إنعامى وامتنانى.
الإشارة : من حكمة المدبر الحكيم أن دبر ملكه العظيم ، ووجه كل فرقة بوجهة من مصالح عباده ، أفناه فيها وولاه إياها. فقوم اختصهم لمحبته واصطفاهم لحضرته ؛ وهم العارفون ، وقوم أقامهم لخدمته وأفناهم فى عبادته ؛
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
