قال بعض العارفين : (لى أربعون سنة ما أقامنى الحق فى شىء فكرهته ، ولا نقلنى إلى غيره فسخطته). بخلاف السفهاء من الجهال ، فشأنهم الإنكار عند اختلاف الأحوال ، فمن رأوه تجرد عن الأسباب وانقطع إلى الكريم الوهاب ، قالوا : ما ولّاه عن حاله الذي كان عليه؟ وأكثروا من الاعتراض والانتقاد عليه ، وكذلك من رأوه رجع إلى الأسباب بعد الكمال ، قالوا : قد انحط عن مراتب الرجال. وهو إنما زاد فى مراتب الكمال. فالملك كله لله ، يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ، ويضل من يشاء بعدله الحكيم.
ثم شهد الحق تعالى لهذه الأمة بالعدالة والفضل ، فقال :
(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ...)
قلت : (الوسط) هو العدل الخيّر الفاضل ، وهو فى الأصل اسم للمكان الذي تستوى إليه المساحة من الجوانب ، ثم استعير للخصال المحمودة ؛ لوقوعها بين طرفى إفراط وتفريط ، كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة بين التهور والجبن ، ثم أطلق على المتصف بها مستويا فيه الواحد والجمع ، والمذكر والمؤنث. قاله البيضاوي.
يقول الحق جل جلاله : وكما جعلناكم مهتدين إلى الصراط المستقيم ، وجعلنا قبلتكم أفضل الجهات ، جعلناكم أمة أفضل الأمم ، خيارا عدولا مزكّين بالعلم والعمل ، لتصلحوا للشهادة على غيركم ، فتكونوا يوم القيامة (شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) ، ويزكيكم نبيكم فيشهد بعدالتكم.
قال البيضاوي : روى (أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء ، فيطالبهم الله ببينة التبليغ وهو أعلم بهم ، إقامة للحجة على المنكرين ، فيؤتى بأمة محمّد صلىاللهعليهوسلم فيشهدون ، فتقول الأمم : من أين عرفتم؟ فيقولون : علمنا ذلك بإخبار الله فى كتابه النّاطق على لسان نبيه الصّادق. فيؤتى بمحمّد صلىاللهعليهوسلم فيسأل عن حال أمته فيشهد بعدالتهم).
وهذه الشهادة ، وإن كانت لهم ، لكن لمّا كان الرسول كالرقيب المهيمن على أمته عدّى بعلى ، وقدّمت الصلة للدلالة على اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم. ه.
الإشارة : التفاضل بين الرجال إنما يكون بالعلم والحال ، فمن قوى علمه بالله كان أعظم قدرا عند الله ، والعلم الذي به الشرف عند الله هو العلم بذات الله وبصفاته وأسمائه ، وكذا العلم بأحكام الله إذا حصل معه العلم بالله ، فكلما انكشف الحجاب عن القلب كان أقرب إلى الرب ، وانكشاف الحجاب يكون على قدر التخلية والتحلية ، فبقدر ما يتخلى القلب عن الرذائل ، ويبعد عن القواطع والشواغل ، ويتحلى بأنواع الفضائل ، ينكشف عنه الحجاب ويدخل مع
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
