يا بنى قد عرفت أنك رأيتنى حين فسقت بتلك المرأة ، وكنت أنتظر فراقك عنى من أجل ذلك ، فقال له التلميذ : يا سيدى الإنسان معرض لمجارى أقدار الله عليه ، وإنى من الوقت الذي دخلت فيه إلى خدمتك ما خدمتك على أنك معصوم ، وإنما خدمتك على أنك عارف بطريق الله تعالى ، عارف بكيفية السلوك عليه الذي هو طلبى ، وكونك تعصى أو لا تعصى شىء بينك وبين الله عزوجل ، لا يرجع من ذلك شىء علىّ ، فما وقع منك يا سيدى شىء لا يوجب نفارى وزوالى عنك ، وهذا هو عقدى ، فقال له الشيخ : وفقت وسعدت هكذا وإلا فلا ... فريح ذلك التلميذ ، وجاء منه ما تقرّ به العين من حسن الحال وعلوّ المقام (١). ه.
ولما وسمهم الحق تعالى بنقض العهود ، ذكر جزئية من ذلك ، فقال :
(وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١))
يقول الحق جل جلاله : (وَلَمَّا جاءَهُمْ) يعنى اليهود (رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) محمد صلىاللهعليهوسلم (مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ) من التوراة بموافقته له فى بعض الأخبار (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) ، وهم من كفر من أحبار يهود ، (كِتابَ اللهِ) : التوراة ، (وَراءَ ظُهُورِهِمْ) ، حيث لم يعملوا بما فيه من الأمر بالإيمان بالنبي صلىاللهعليهوسلم ، وغيروا صفته التي فيه ، وكتموها ، فكأنهم طرحوه وراء ظهورهم ، وكأنهم لا علم لهم بشئ من ذلك.
قال البيضاوي : اعلم أن الحق تعالى دل بالآيتين على أن حال اليهود أربع فرق : فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمنى أهل الكتاب ، وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله : (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) ، وفرقة جاهروا بنبذ عهودها ، وتخطى حدودها ، تمردا وفسوقا ، وهم المعنيون بقوله تعالى : (نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) ، وفرقة لم يجاهروا بنبذها ، ولكن نبذوا لجهلهم بها ، وهم الأكثرون ، وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ، ونبذوها خفية ، عالمين بالحال بغيا وعنادا ، وهم المتجاهلون. ه. قلت : ولعلهم المنافقون منهم.
ولما نبذوا كتاب الله اشتغلوا بكتب السحر مكانه ، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله :
(وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ
__________________
(١) مغزى القصة : التنبيه على أن المريد ينبغى له ألا يعتقد العصمة فى الشيخ ؛ فإن الشيخ وإن كان على أكمل الحالات فليس بمعصوم.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
