قوله تعالى : (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ) كذلك القلوب القاسية إذا لانت بالإنابة إلى ربها ، والرجوع عن مألوفاتها ، تتفجر منها أنهار العلوم ، وتشقق منها أسرار الحكم ، ومنها من تذوب من هيبة المتجلى لها ، فتندك جبالها ، وتزلزل أرض نفوسها ، كما قال القائل :
|
لو عاينت عيناك يوم تزلزلت |
|
أرض النفوس ودكّت الأجبال |
|
لرأيت شمس الحقّ يسطع نورها |
|
حين التزلزل ، والرجال رجال |
والله تعالى أعلم.
ثم آيس المؤمنين من الطمع فى إيمان من كان هذا وصفه فقال :
(أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧))
قلت : ضمن الإيمان معنى الإذعان والإقرار ؛ ولذلك عداه باللام ، وجملة (قد كان) حال من فاعل الإيمان ، و (إذا لقوا) عطف على (كان) ، والتقدير : أفتطمعون فى إيمانهم والحالة أن من سلف منهم كانوا يحرفون كلام الله ، ومن حضر منهم الآن ينافقونكم فى دين الله ، فلا مطمع فى إيمان من هذا وصفه.
يقول الحق جلا جلاله : (أَفَتَطْمَعُونَ) يا معشر المسلمين أن يذعن لكم أهل الكتاب ويصدقوكم (وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) ، وهم السبعون الذين ذهبوا مع موسى للاعتذار ، (يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ) حين كلمهم وكلفهم بمشاق التوراة ، فحرفوا وقالوا : قال افعلوا ما استطعتم ، فإذا لم يحصل لهم الإيمان مع سماع الكلام بلا واسطة ، فكيف يؤمن لكم هؤلاء ، وهم إنما يسمعونه بواسطة الرسالة؟ أو (يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ) فى التوراة ثم يحرفونه ، محوا أو تأويلا ، كصفة سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم وآية الرجم وغير ذلك ، (مِنْ بَعْدِ) ما فهموه (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنه كلام الله ، أو (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم محرفون ومغيرون لكلام الله.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
