غير دخالة المقام لكان حق الكلام أن يقال : (فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ) ، وعلى هذا لم يكن بينه وبين الملائكة فرق قبل ذلك ، وعند ذلك تميّز الفريقان وبقي الملائكة على ما يقتضيه مقامهم والمنزلة التي حلّوا فيها ، وهو مقام الخضوع والإمتثال ، وقد حكى الله سبحانه ذلك بقوله : (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (١) ، فهذا حقيقة حياة الملائكة وأعمالهم ، فبقيت الملائكة على ذلك ، وخرج إبليس عنه كما تعبّر عنه الآية في سورة الكهف : (كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (٢) ، والفسق : خروج الثمرة عن قشرها فتميّز عنهم ، فأخذ حياة وعملا لا حقيقة له إلّا الأنانية والمعصية ، والقصّة وإن سيقت بحسب التمثيل مساق القصص المألوفة بيننا وتضمّنت أمرا وامتثالا وتمرّدا واحتجاجا وطردا وغيرها من الأمور التشريعيّة والمولوية ، غير أن الآيات تشعر بأنّها تكوينية ، بمعنى أنّ ابليس على ما كان عليه من الحال لم يقبل الإمتثال فتفرّع عليه المعصية ، ويشعر به قوله : (قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) ، فظاهره أنّ هذا المقام لا يقبل التكبّر ، فكان تكبّره فيها خروجه وهبوطه منها فالأمر تكويني ويشعر بذلك أيضا أنّه سبحانه لم يجب عمّا ادّعاه إبليس ولم يبطل ، بل طرده بقوله : (فَاهْبِطْ).
وعلى هذا فلو لا أن خلق الله آدم وأمرهم بالسجود كان إبليس على ما كان عليه سائر الملائكة الطاهرين من القرب والمنزلة ، غير أنّ خلقة آدم وما تبعها شقّ الطريق طريقين وهيّأ وعيّن سبيلي السعادة والشقاوة.
__________________
(١). الأنبياء (٢١) : ٢٦ ـ ٢٧.
(٢). الكهف (١٨) : ٥٠.
![تفسير البيان [ ج ٤ ] تفسير البيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3768_tafsir-albayan-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
