الشخص الفرد من خردلة ، أو وبرة ، أو شعرة أو غير ذلك إذا جزأنا كل ذلك جزءين أو أكثر متى حدثت لها الأجزاء؟ أحين جزئت أم قبل أن تجزأ؟ فإن قالوا قبل أن تجزأ تناقضوا أسمج مناقضة لأنهم أقروا بحدوث أجزاء كانت قبل حدوثها وهذا سخف. وإن قالوا إنما حدثت لها الأجزاء حين جزئت لا قبل ذلك ، سألناهم متى علمها الله تعالى متجزئة؟ أحين حدث فيها التجزؤ أم قبل أن يحدث فيها التجزؤ؟ فإن قالوا بل حين حدث فيها التجزؤ صدقوا وأبطلوا قولهم في أجزاء الخردلة. وإن قالوا بل علم أنها متجزئة وأن لها أجزاء قبل حدوث التجزؤ فيها جهّلوا ربهم تعالى إذ أخبروا أنه يعلم الشيء بخلاف ما هو عليه ، ويعلم أجزاء لما لا أجزاء له ، وهذا ضلال وبالله تعالى التوفيق.
قال أبو محمد : هذا كل ما موهوا به لم ندع لهم منه شيئا إلا وقد أوردناه وبيّنا أنه كله لا حجة لهم في شيء منه ، وأنه كله عائد عليهم وحجة لنا والحمد لله رب العالمين.
ثم نبتدئ بحول الله تعالى وقوته بإيراد البراهين الضرورية على أن كل جسم في العالم فإنه يتجزأ ومحتمل للتجزئة ، وكل جزء من جسم فهو أيضا جسم محتمل للتجزؤ ، وهكذا أبدا وبالله تعالى نتأيد.
قال أبو محمد : يقال لهم وبالله تعالى نستعين : أخبرونا عن هذا الجزء الذي قلتم إنه لا يتجزأ أهو في العالم أو ليس في العالم؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث ، فإن قالوا : ليس هو في العالم صدقوا وأبطلوه إلا أنهم يلزمهم قول فاحش ، وهو أنهم يقولون إن جميع العالم مركب من أجزاء لا تتجزأ والكل ليس هو شيئا غير تلك الأجزاء ، فإن كانت تلك الأجزاء ليست في العالم فالعالم عدم ليس في العالم وهذا تخليط كما ترى. وإن قالوا بل هو في العالم قلنا لهم : لا يخلو إن كان في كرة العالم من أن يكون إما قائما بنفسه حاملا وإما أن يكون محمولا غير قائم بنفسه ، لا بد ضرورة من أحد الأمرين ، إذ ليس العالم كله إلا على هذين القسمين فإن كان محمولا غير قائم بنفسه فهو عرض من الأعراض ، وإن كان حاملا قائما بنفسه فله ولا بد مكان في العالم ، وما كان حاملا قائما بنفسه ذا مكان فهو جسم. ثم يقال لهم : أخبرونا عن الجزء الذي ذكرتم إنه لا يتجزأ وهو على قولكم في مكان لأنه بعض من أبعاض الجسم : هل الملاقي منه للمشرق هو الملاقي للمغرب أم غيره؟ وهل المحاذي منه للسماء هو المحاذي منه للأرض أم هو غيره؟ فإن قالوا كل ذلك واحد والملاقي منه للمشرق هو الملاقي منه للمغرب ، والمحاذي منه للسماء هو المحاذي منه للأرض أتوا بإحدى العظائم وجعلوا جهة المشرق منه هي جهة المغرب وجعلوا السماء والأرض منه
![الفصل في الملل والأهواء والنّحل [ ج ٣ ] الفصل في الملل والأهواء والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3703_alfasl-fi-almilal-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
