(فَأُعَذِّبُهُمْ) أقاصصهم وأعذّبهم (عَذاباً شَدِيداً) قويا لا يتحمّلونه (فِي الدُّنْيا) حيث أبتليهم بكل عظيم من البلاء ، وبالقتل والذلة العامة المحيقة بهم كما في حادثة طيطوس وبالتشريد عن الديار من جرّاء حروب يذوقون فيها الويلات في دار الدنيا (وَالْآخِرَةِ) التي ينتظرهم فيها العذاب (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) وليس لهم من مساعدين ولا شفعاء ، لأن الشفعاء إنما هم الأنبياء والأولياء ، وهؤلاء يتبرّءون من الكفار في الدنيا بعد اليأس من إيمانهم بالله وبالرّسل وفي الآخرة حيث ماتوا على الكفر والعناد ، والشفعاء لا يشفعون إلّا لمن ارتضى ربّهم عزّ سلطانه.
٥٧ ـ (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ..) أي صدّقوا الله ورسله وما جاؤا به حقيقة التصديق ، أي بلسان يطابق ما في قلوبهم ، وبعمل ينمّ عن مبلغ طاعتهم وإذعانهم لأمر الله ، وآية ذلك قوله تعالى : (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فإن العمل الصالح يكشف عن الإيمان الصحيح الواقعي. ولذا نرى أنه كلما ذكر الإيمان في القرآن الكريم ، يعقبه ذكر العمل الصالح. أما هؤلاء المؤمنون القائمون بالعمل الصالح (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) أي يعطيهم أجر ما عملوا كاملا وافيا (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) بل يبغضهم ويمقتهم ويكره ما هم عليه من الضلال.
٥٨ ـ (ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ..) إشارة إلى أخبار مريم وعيسى وزكريّا ويحيى. واسم الإشارة في محل رفع مبتدأ ، وخبره : نتلوه عليك. والتلاوة هي القراءة. ومعنى ذلك أننا نقرأ هذا عليك (مِنَ الْآياتِ) أي من جملة العجائب التي صنعناها مع أوليائنا لتكون دالّة على صدق دعواك النبوّة ، لأنها أخبار غيبيّة لا يعلمها الأميّ إلّا من طريق الوحي (وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) أي القرآن الكريم. وهذا عطف على الآيات. وقد وصف بالحكيم لأنه ، لكثرة حكمه ، كأنه ينطق بالحكمة ، وهو بحد ذاته معجزة باقية تدل أيضا على صدق نبوّتك وصدق رسالتك.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
