وبتثبيتك إيانا على الحق ، اجعلنا مع الرّسل الذين يشهدون لأممهم وعليها واحشرنا معهم يوم القيامة. ويدل على أن هذا هو طلبهم قولهم لعيسى (ع) قبيل هذه الجملة : واشهد بأنّا مسلمون ، يعني يوم الحشر. فهم متذكرون بأن الأنبياء صلوات الله عليهم هم الأشهاد في ذلك اليوم.
٥٤ ـ (وَمَكَرُوا ، وَمَكَرَ اللهُ ..) يعني أن كفرة بني إسرائيل مكروا مكرهم بعيسى بن مريم عليهماالسلام الذي تلخّص بتوكيل من يقتله غيلة. فعن ابن عباس ، أنه لما أراد كفّار بني إسرائيل قتل عيسى (ع) دخل خوخته أي قبّته ، بيته وفيها كوّة أي فتحة كالنافذة فرفعه جبرائيل عليهالسلام من الكوّة إلى السماء. فقال الملك لرجل منهم خبيث : أدخل عليه واقتله. فدخل الخوخة ، فألقى الله عليه شبه عيسى فخرج على أصحابه ليخبرهم أنه ليس في البيت فاشتبهوا به ، فقتلوه وصلبوه على خشبة نصبوها لهذه الغاية ، ومكروا على هذا الشكل بنبيّ الله تعالى أي كادوا له كيدا سيّئا ، فمكر الله سبحانه بهم مكرا حسنا من جنس صنعهم بأن دبّر تدبيرا جميلا لا يخطر ببالهم وهو إلقاء شبه عيسى على الجاني .. ونسبة المكر إلى ذاته المقدسة على المقابلة والمشابهة يعدّ أحد وجوه البلاغة. والمراد بمكره عزّ وعلا ، هو إعطاؤه جزاء مكرهم. والمكر من المخلوق هو الخداع والاحتيال ، ومن الخالق هو المجازاة بطريقة كانت خافية على العبد حين تدبير خدعته ومكيدته. وكونه سبحانه خير الماكرين هو أنه يجازي تأديبا وتنبيها لئلا يمكر أحد بعد ذلك. أو أن معنى : خير الماكرين ، هو أنه تعالى الأقوى والأقدر على الكيد من حيث لا يحتسب المعاقب كما ألقى شبه عيسى على الذي تصدّى لقتله ، فرفع عيسى إلى السماء ، وقتل المتصدّي لقتله بعد أن دلّ الكفّار على خوخة عيسى وتبرّع بأن يكون الجاني لهذه الجناية المنكرة. ولعل السرّ في أن المكر بهذه الكيفية كان خير مكر ، هو من جهة أنه
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
