جلدي يلّون الجلد بلون بياض ويشوّهه ، ويحصل عن فساد في المزاج وخلل في الأخلاط الأربعة التي قوام البدن وصحته باستقامة نسبها واستوائها. وعلاجه صعب ممتنع ولذا اختصه سبحانه بالذكر من بين الأمراض ، وجعل الشفاء منه آية للنبوة. بل يفعل ما هو عندهم ممتنع عقلا كإحياء الموتى وردّ الأرواح الى أجسادها ، بل يقدره الله على أعظم من ذلك وما هو أشدّ امتناعا من ذلك كله وهو إيجاد الأرواح في أجسام يصنعها بيده كخلق الطيور .. فما أصعب أن يعجن طينا ثم ينفخ فيه فيصير بإذن الله طيرا ذا ريش وأجنحة ولحم ودم وحواس ، يتمكن من الحركة الحرة الطليقة بشكل يحير الألباب ويدهش ذوي العقول؟ .. فبالجملة جعل الله له هذه الأشياء لتكون علامة على صدق رسالته ، وسببا للتصديق به ، وحجة مثبتة لنبوّته. وها هنا أسئلة :
الأول : لماذا آثر الطين في مقام إظهار الآية من سائر الموجودات الأخرى القابلة لذلك؟
الثاني : لماذا اختار الطير من بين ذوات الروح؟
الثالث : لماذا قدّم هذه الآية على الآيات الأخر؟
والجواب على الأول : أن الطين جسم لين ، قابل لأن يتشكل كيفما أراده صانعه وهو معدّ لأن تجسد به أية صورة بلا كلفة وبدون مؤونة ، ولا يزاد عليه شيء ولا ينقص منه ، ولا في تحصيله صعوبة ، بخلاف الأجسام التي لا تخلو من الحاجة الى كثير غيرها. والطين هو عجين التراب ، والتراب من أشرف العناصر التي خلق منها الإنسان ، وهذا الأمر هو المختار لدينا في مقام تقديم التراب على غيره ، وإن كان لا بأس بالاستدلال بغير ما اخترنا.
فالتراب كفء الماء وقرينه. وقد قال تعالى فيه : وجعلنا من الماء كل شيء حي ، ومع ذلك فهو لا يفضل على التراب إذ لو فرض أن غمر وجه الأرض كله الماء كالطوفان مثلا ، فلا يتسنى للإنسان ولا لأي ذي
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
