استعمل سبحانه المجاز اللفظي كناية عن التربية الرفيقة الرفيعة التي سهّلها لها لتكون مؤهلة لإرهاصة عظمي تنتج عنها ولادة عيسى (ع) الذي ليس له شبيه ولا نظير في ولادته المعجزة .. (وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا) أي جعل أمر كفالتها بيده ، فقام بأمرها وضمن كلّ ما يصلحها ، وأكرم به من كفيل صالح أمين حدوب رؤف. (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ) أي الغرفة التي أفردها لها للعبادة ، أو الصومعة التي اختصّت بها في محراب العبادة. وقيل إن المحراب محلّ محاربة الشيطان. فكلّما جاءها زكريّا (وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً) والرزق كل ما ينتفع به ، فلا اختصاص له بالمأكول والمشروب ، بل يشمل الملبوس وجميع ما يدرّ بخير على الإنسان في حياته. ففي بعض الأوقات كان زكريا عليهالسلام يجد عند دخوله عليها فاكهة الشتاء في الصيف ، وبالعكس. وروي أنه كان لا يدخل عليها غيره ، وأنه إذا خرج من عندها أغلق عليها سبعة أبواب. ولعل المراد بالأبواب أنها سبعة أقفال لباب واحد تضرب عليه استحكاما لئلا يفتح. وظاهر عبارة الأبواب بعيد في النظر. وكان كلما دخل عليها ووجد عندها رزقا جديدا (قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا) أي من أين هذا الرزق الذي يأتيك في حينه وفي غير حينه والأبواب مغلقة؟ (قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) تقول ذلك دون تعجّب أو استغراب. وقيل إنها تكلمت صغيرة كابنها عيسى عليهماالسلام ، وأنها ما رضعت قط ، وأن رزقها كان يأتيها في أوقاته من الجنّة كرامة لها (إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) يحتمل أن تكون هذه الجملة من تتمّة كلامها ، أو هي من كلامه سبحانه وتعالى. والمراد من : بغير حساب ، أنه بلا محاسبة للعبد ، وبلا مجازاة عليه ، بل سعة وتفضّلا وكرامة ، لا من حيث الاستحقاق.
* * *
(هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
