كما قلنا ، فإنه حكم عام يشملهم ويشمل غيرهم. فمن فعل ذلك (فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) وهذا الحكم تنظير ظاهري ، لكنه بالنسبة إلى الواقع واقعي بمقتضى أخبار الباب التي دلّتنا على ذلك وهكذا في الآية الآتية بعدها .. بيان ذلك أن من قتل إنسانا بلا موجب من الموجبات المجوّزة لقتل النفس ـ مثلما بين في الآية الكريمة ـ كقتل نفس محترمة ظلما وصبرا ، وكالإفساد في الجامعة الإسلامية كقطع الطرق لأخذ الأموال وتهويل الناس وقتل الأبرياء ، وكالرّدة والكفر الأوّلي وغيره مما يخرج النفس عن حرمتها ، أقول : إن كل ذلك حكمة في محكمة العدل الإلهي حكم من قتل الناس جميعا ، ومكانه في العذاب ، وعذابه ، مثل مكانه وعذابه. ففي الفقيه والعياشي عن الصادق عليهالسلام : أنّ في جهنم واديا لمن قتل الناس جميعا. أقول : ولعلها تكون أشد حرارة من جميع الأمكنة في جهنّم والله أعلم. وإن قتل النفس المحترمة أمر منكر عظيم في نظر الشارع. ولهذا ـ وسداّ لهذا الباب ـ جعل الله سبحانه عذاب القاتل أشد وأعظم ومساويا لقاتل جميع البشر. وهذا الحكم ـ لهذه الجهة ـ حكم إلزاميّ سياسي ، بل هو مدني شرعي ، وهو أحسن حكم في المقام يردع عن القتل والاستهانة بالدماء البريئة ، وليس لأحد من الناس أن يستشكل بأنه خلاف العقل والعدالة ، لأن أحكام الله تعالى لا تصاب بالعقول القاصرة ولا بالقياس السفسطائي المعتمد على لقلقات اللسان وزخرفة الكلام. وفي الرواية الصحيحة «دين الله لا يصاب بالعقول والقياس. فليس ـ إذا ـ فيما يحكم ويريد أن يسأل : لم؟ وبم؟ ولماذا؟ وهو سبحانه لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون. على أنه قد ورد في رواية أخرى : في النار مقعد لو قتل الناس جميعا لم يزدد على ذلك المقعد. فقيل للإمام : فإن قتل آخر؟ قال عليهالسلام : يضاعف عليه. وفي العياشي تجد مما يقرب من هذه الرواية ومن التي سبقتها. ففي ذلك المقعد من الجحيم يكون من قتل ـ على الفرض ـ جميع الناس. والمقصود بلفظة : جميع ، هو : جميع الناس في عصره ، لا جميع الناس من أول الدنيا إلى آخرها كما لا يخفى. فلا بد من حمله على ما قلناه وإن كان الأمر مقولا
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
