وغلبتكما! وتظهر من هذه الآية الشريفة رائحة توهينهم لساحة الله المقدسة جلّ وعلا ، ورائحة توهينهم لقوله وأوامر رسوله ، وعدم مبالاتهم بما ينزل من السماء وعنادهم الذي يصل إلى حد الكفر كما لا يخفى .. وهذا منتهى النفاق.
٢٥ ـ (قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ...) فعند موقف أولئك المنافقين الشنيع ، تأثر موسى عليهالسلام من صلافة قومه ووقاحتهم ، وشكا بثّه إلى ربه جلّ وعلا بعد عصيانهم وعنادهم وإعطاء رأيهم الوقح ، فلم يطمئنّ إلى أحد سوى نفسه وأخيه هارون عليهماالسلام ، فقال مناجيا ربّه تعالى بقوله : (فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) أي : افصل بيننا وبين هؤلاء المنافقين الخارجين عن أمرك ، واحكم بيننا يا أحكم الحاكمين .. وهذا الدعاء ـ كما يبدو ـ قد صدر عن قلب رسول كريم وسع حلمه عناد قومه مرارا وتكرارا حتى ضاق بهم ذرعا. وقد سمّاهم فاسقين لأنه ليس أعظم فسقا من جماعة يعصون أمر ربّهم ونبيّهم وجها لوجه بتمام الجرأة على الله تعالى وعلى رسوله (ع) .. وقد فعل الله سبحانه ، واستجاب لرسوله حالا بقوله عزوجل :
٢٦ ـ (قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ...) فقد حرّم الله سبحانه عليهم دخول الأرض المقدسة مدة أربعين سنة بسبب عصيانهم ، وجعل دخولهم إليها ممتنعا من عنده جلّ وعلا ، جزاء عنادهم وجعلهم (يَتِيهُونَ) أي يضلون ويضيعون ولا يهتدون سبيلا توصل إليها ، فهم على ذلك ضائعون (فِي الْأَرْضِ) التي هم فيها ـ وهي صحراء التيه من سيناء ـ لا يستطيعون إلى النجاة من ضلالهم سبيلا ، ولا يزالون متحيّرين لا يصلون إلى مقصدهم ، ولذا كانوا يضربون في الأرض طيلة النهار ، ثم يجدون أنفسهم عند غروب الشمس قد عادوا إلى مكانهم الأول طيلة تلك المدة المريرة ، وهذا من أعظم البلاء على من عصى الله عزوجل.
وعن أبي جعفر عليهالسلام : كان قوم موسى ستمائة ألف : فقالوا : يا
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
