ونشير هنا إلى عناد اليهود وشراسة طباعهم ، فإنه هنا يبيّن سبحانه نقضهم لميثاقهم بصلافة وطمعا في الرئاسات الدنيوية فذمّهم ولعنهم على ذلك العناد وأوضح سوء عاقبتهم ، ثم عيّرهم بركضهم وراء الدنيا الذي أوردهم موارد الهلكة وأوقعهم في سخطه وغضبه لأن القليل منهم ثبت على الايمان ، بخلاف النصارى فإن كثيرا منهم بقوا على حكم الإنجيل وآمنوا بمحمد (ص) بعد بعثته لأنهم عرفوه بذاته وبصفاته فصدقوه وكانوا مسلمين ... فاليهود ماكرون منكرون (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) أي لا يزال ينكشف لك ـ يا محمد ـ خيانة جماعة منهم تكون الخيانة شأنهم وسجيّتهم وديدنهم (إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) لا يكونوا خائنين ، استثناهم سبحانه لأنهم هم الذين آمنوا واتّبعوا النبي (ص) وهم الذين أوصاه الله تعالى بالكف عنهم وبرعايتهم ليثبتوا على الايمان فقال له : (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) أي تجاوز عن بعض سقطاتهم ، وتسامح عما يبدو منهم (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) لأنه محسن غاية الإحسان ، ورؤف بعباده غاية الرأفة ، ولذلك يحب المحسنين إلى عباده.
١٤ ـ (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى ...) هذه الشريفة معطوفة على سابقتها. أي : ومن الذين سمّوا أنفسهم بهذا الاسم مدّعين أنهم أنصار الله (أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ) وشرطنا عليهم عهدا كما شرطنا على اليهود من قبلهم (فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) يعني : غفلوا وتركوا نصيبهم وقسمتهم الوافرة التي كانت مكتوبة لهم في حال الوفاء بالعهد واتّباع محمد صلىاللهعليهوآله ، فجازيناهم على تناسيهم (فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ) أي : أوقعنا في قلوبهم عداوة بعضهم لبعض في الأمور الظاهرية ، وكره بعضهم بعضا في القلوب وفي الأمور الباطنية ، يدوم ذلك بينهم (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) فالوصفان باقيان ـ كما هو ظاهر الآية الشريفة ـ ويدومان فعلا حتى يبقيا إلى عصر ظهور الامام الحجة عجّل الله تعالى فرجه ، ولا يمكن أن يزول الخلاف بين فرقهم إلا يومذاك. فالمستفاد من الأخبار الصحيحة الصريحة أن حكومة العدل في آخر الزمان ستشمل سائر الأرض المعمورة ،
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
