وبقوله سلام الله عليه إنه رسول من الله. فرد سبحانه فريتهم هذه وحكى حكاية الحال فقال : (وَما قَتَلُوهُ) والواو حالية قطعا ، فإنهم في واقع الأمر ما قتلوه حين فعلوا فعلتهم الشنعاء (وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) أي وقع الأمر وصار مشتبها عليهم. بيان ذلك أنه لما مسخ الله الذين كفروا بعيسى ونسبوا أمه عليهماالسلام الى الفحشاء على ما أشرنا ـ مسخهم قردة وخنازير بدعائه (ع) عليهم ، فاتفق اليهود المنافقون على قتله. فأخبره الله تعالى بنيّتهم وبرفعه الى السماء حين محاولتهم قتله. وقد قيل إنه قال لأصحابه : أيكم يرضى أن يلقى شبهي عليه فيقتل ويصلب وله الجنة؟ فقام أحدهم وأعلن رضاه بذلك ، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب. وهذا القول غير معقول ولا هو لائق بالقبول ، لأن الله تعالى وعده برفعه الى السماء ، أي أن أيدي القتلة والطواغيت والجبابرة لا تصل اليه. فلا معنى لأن يستدعي شخصا بلا رخصة منه تعالى ظاهرة لإلقاء شبهه على واحد من أصحابه فيقتل ويصلب بلا مبرر وبلا احتياج الى تقديم أحد الحواريين المؤمنين للقتل. والقول المعقول هو أنه سلام الله عليه أخبر أصحابه بالأعداد لقتله ، ثم أخبرهم برفعه الى السماء وبأنهم لا ينالونه بسوء. فعرفوا ذلك فقام أحدهم ـ ممن يبطن الكفر والنفاق ويظهر الإيمان ـ بترصّده وبإبلاغ القتلة مكان وجوده في كل لحظة من لحظات حياته إبّان تلك الأزمة ، وتعريفهم مختلف تقلباته ليقع في أيديهم بأهون سبيل عند محاولة القتل ، ثم لمّا جاؤوا قاصدين قتله ، نجّاه الله سبحانه من كيدهم ، وألقى شبهه على من نافق ودلّ عليه فأخذوه معتبرين أنه هو عيسى بذاته ، فقتلوه وصلبوه ...
هذا هو الواقع الذي حصل (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي في عيسى عليهالسلام ، من ناحية قتله وصلبه ، ومن ناحية رفعه الى السماء ، إذا قالت طائفة بهذا القول ، وقالت طائفة بذاك. ثم قال آخرون بل قتل وصلب الناسوت منه ورفع اللاهوت ، وتردد آخرون فقالوا : الوجه وجه عيسى ، والبدن بدن صاحبنا. فقد ذهبت كل طائفة مع قول وظلموا
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
