إنما يخادعون الله بزعمهم ، ويظنّون أن الحيل تنطلي عليه كما تنطلي على الناس ، ولكنه سبحانه عالم بتصرفاتهم ، مطلع على نواياهم ، عارف بما في قلوبهم وبما تكنّ نفوسهم (وَهُوَ خادِعُهُمْ) بأن أمهلهم حتى يظهروا كل مكرهم وكيدهم في دار الدنيا ، ثم هو مجازيهم بالعقاب الشديد بالرغم من أنه عصم مالهم ودماءهم في الدنيا ، وتكفّل بأرزاقهم ، ولكنه أعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة. ولو لوحظ هؤلاء المنافقون لرأيتموهم غير شديدي الاندفاع في إيمانهم (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ) ليؤدّوها (قامُوا كُسالى) أي متثاقلين يجيئون إليها لا عن رغبة بها ، بل (يُراؤُنَ النَّاسَ) يقصدون بصلاتهم الرياء والسّمعة ولا يصلّون إلّا ليقال : صلّوا ، (وَ) هم (لا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً) أي لا يصلّون إذا كانوا غائبين عن أعين المسلمين ، ولا يجاهرون بذكر الله إلا في مناسبات قليلة وخصوصا بما يختص بالتسبيح والتحميد ، لأن عملهم رياء يحبون أن يراه المسلمون فينالون استحسانهم لا أكثر من ذلك ولا أقل ... والحاصل أن الذكر القليل هو ذكره تعالى بحضرة من يراءونه ، وهم لا يؤجرون عليه لا لقلّته بل لعدم كونه لله سبحانه ، لأنهم يذكرونه ابتغاء الربح الدنيوي الذي ينالونه من قبل المؤمنين.
١٤٣ ـ (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ ...) أي متردّدين تارة إلى هؤلاء ، وتارة أخرى إلى هؤلاء ، فهم متحيّرون غير مستقرّين عند طائفة لئلا ينكشف أمرهم عندها أو عند الطائفة الثانية (لا إِلى هؤُلاءِ) فلا هم مع المؤمنين كمؤمنين (وَلا إِلى هؤُلاءِ) ولا هم مع الكافرين كمجاهرين بالكفر ، بل هم إلى منافعهم ومطامعهم أقرب ، لأنهم عبيدها لا عبيد الله جلّ وعلا ، وقد ذبذبهم الشيطان وصيّرهم متردّدين بين الكفر والإيمان يذبّون من ها هنا وها هنا. ولفظة : مذبذبين ، منصوبة على الحال ظاهرا ، وفي المجمع : منصوبة على الذم وهو الأحسن والأقوى .. (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) يضيعه عن طريق الهدى والرشاد (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) فمن المستحيل أن تجد له طريقا يوصله إلى الهدى والخلاص من غضب الله تعالى.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
