بأس به بالنسبة إلى المخلوق الذي يعيش حالات العلم والجهل ، والقطع والتردد ، وقوّة الإيمان وضعفه وما شابه ذلك. فيصحّ له الترجّي دائما وأبدا ليحتاط لنفسه. أللهم إلّا من كانت له حالة واحدة مثلا ، وهي حالة العلم وانكشاف الأشياء له بحذافيرها بحيث لا يتصوّر التردد في حقه مطلقا كبعض الأولياء والعارفين فإنه لا معنى لاستعمال لفظة الترجّي في حقهم ... ويجب أن لا ننسى أنّ في هذا التعبير أسرارا ومصالح كثيرة ، منها : أن العاملين للأعمال الحسنة قد يستزلّهم الشيطان فيبطل بذلك أعمالهم ، ومنها : أنهم قد يقومون بالأعمال دون استكمال شروط قبولها ، ومنها أن لا يخالط عملهم غرور يذهب بها وبثوابها ، ومنها أن لا يقعوا في حب السّمعة ، ولا أن يخالط عملهم رياء. كما أنه يجب أن لا ننسى أن الله تعالى استعمل هذه اللفظة لا بلحاظ نفسه المقدسة لأنه «يعلم» ولا يتردد. ولكنه في مقام ستّره العظيم على العباد ، لا يحب أن يكشف واقع أمرهم ، ولا أن يرى سائر الناس بطلان أعمالهم ، كما أنه لا ييئس العبد ولا يجبهه لأنه أعد لكل عمل من أعماله ثوابا أو جزاء ، بل لقد أمر نبيّه (ص) أن يقول في جدله لأهل الكتاب : وإنّا ، أو إيّاكم ، لعلى هدى أو في ضلال مبين : لتظهر الأخلاق الإسلامية السمحة في مقام الدعوة إلى الحق ، وليتألف صاحب الدعوة الكريمة قلوب أعدائه ، وليمضي معهم على مستوى رفيع من الأدب قد يجرّهم إلى الإيمان بالله وبرسالة رسوله ، ولئلا ينفّرهم من الدعوة رأفة من الله تعالى ومنه بسائر العباد. وإن نبيّنا (ص) يعلّمنا بذلك كيفية جدال المعاندين ، ويسهّل لنا الطريق لحثّ الآخرين على قبول دعوته ، ولمجاملتهم وعدم الفظاظة معهم ، لأن الله سبحانه خاطبه قائلا : ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك. ومثل ذلك فعل النبيّ (ص) مع الكافرين في جداله لهم في سورة الجحد حيث قال لهم : لكم دينكم ؛ ولي ديني ؛ أي أنني لا أكرهكم على اعتناق ديني إكراها ، إذ لا إكراه في الدين قد تبيّن الرّشد من الغي ...
فلو لم يسبل الله تعالى ستره على بواطن الأعمال ، لما مشى الكثير
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
