التكفير فهو محو السيئات بالحسنات. فبينهما بحسب المعنى فرق ، لأن هذا عفو مع السبب ، وذاك عفو بلا سبب ، أي أعم من التكفير يمكن أن يكون موجبا في مرحلة التفضل ، ويمكن أن لا يكون.
وعلى كل حال فهؤلاء السامعون المطيعون طلبوا المغفرة وتكفير الذنوب من ربهم ، ثم قالوا : (وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) أي اقبضنا ـ حين تقبضنا إليك وتتوفانا ـ مصاحبين للأبرار وفي جملتهم وزمرتهم. ومفرد أبرار : بر ، من برّ يبرّ ، أي أحسن وأطاع والديه ، وأحسن إلى نفسه وغيره مع الاحتياط والورع. وجمع بار : بررة. وخلاصة معنى قولهم : أن اجعلنا مع الصالحين المطيعين المرضيّين عندك بعد الوفاة.
١٩٤ ـ (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا ...) هذا دعاء وتذكير مهذّب لذوي الأذواق السليمة. بيان ذلك أن سؤال العبد من ربه ، وقوله : (آتِنا ما وَعَدْتَنا) ، مع علمه بأنه يؤتيه ما وعده ، إن هو إلّا رمز للاسترحام ، والسؤال بهذه الكيفية يرمي إلى الاستعطاف وجلب توجه الله تعالى إليه. وهذا حسن للغاية ، وهو أمر محبوب عند الموالي ، وبالأخص عند المولى الحقيقي حيث أنه يحب خضوع العباد إليه وخشوعهم ، ويبغض المتكبرين والصّلفين. وهو طبيعيّ وجداني ، ألا ترى أن الصغار من الأولاد يهرولون إلى الآباء حين يشاهدونهم ، ويطالبونهم بما وعدوهم به قبل خروجهم من المنازل ، مع علمهم بأنهم يعطونهم ذلك بلا مطالبة. ولكن لا يقع ذلك منهم إلّا على سبيل استجلاب عواطفهم واستدرار شفقتهم ، وإن كانوا قد تعودوا العطف والشفقة دون استعطاف.
وبتوضيح آخر ، إن ما نحن فيه هو نظير أجوبة موسى بن عمران عليهالسلام لربه جلّ وعلا زائدا على المسؤول عنه ، إذ كان يكفي أن يجيب ربّه سبحانه بكلمتين ـ هي عصاي ـ حين سأله ـ وما تلك بيمينك؟ ومع ذلك قال عليهالسلام : هي عصاي ، أتوكّأ عليها ، وأهشّ بها على غنمي ، ولي فيها مآرب أخرى ... فأطال الجواب ليطول مقامه بين يدي الله
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
