لله تعالى ، وهو استغاثتهم لربّهم ، وقولهم : (فَقِنا عَذابَ النَّارِ) أي جنّبنا منه. فإنهم لمّا وفّقوا لذكره تعالى في جميع أحوالهم على ما مرّ ، وتفكرهم في خلقه ، وإذعانهم لعدم كون خلقه عبثا ، وتنزيههم له جلّ وعلا عن العبث في أفعاله ، عقّبوا هذا التوفيق بتخضّعهم وتخشّعهم له من طلب المغفرة والصيانة من نار غضبه ، خوفا من تطرّق العجب والزهو إلى نفوسهم ، ومن تصوّر أن توفيقهم لتجنب النار ودخول الجنة من باب الاستحقاق لا من باب الفضل ، فلهذا طلبوا منه سبحانه أن يقيهم عذاب النار .. وهذا نوع من الخضوع المستحب منه تعالى ، فإن العبد الكثير العبادة إذا حسب أن عبادته لم تكن شيئا في جانب منن الله وأفضاله ، يزيد ذلك في عبادته نشاطا على نشاط ، ويكون دليلا على توفيقه.
١٩٢ ـ (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ ...) في إضافة الرب إلى أنفسهم كلام يتضمّن استعطاف الله تعالى عليهم بالرحمة ، كيلا يخزيهم بالأمر في إدخالهم النار ـ فإن في إدخال المرء إليها فضيحة ليس فوقها فضيحة ولا تساويها إهانة مهما عظمت. ولذلك قال هؤلاء : إنك من تدخل النار (فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي جعلته مطرودا من رحمتك ، مهانا ملعونا بما ظلم به نفسه من المعاصي (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) قد ذكر المظهر بدلا عن المضمر للدلالة على أن العمدة في الدخول إلى النار والخزي هو الظلم. فحاصل كلامهم مع الله تعالى أنه إذا أدخلهم النار فقد كشف عن كونهم ظالمين ، والظالمون ليس لهم ناصر ولا معين يوم الدين.
وقد فسّر بعضهم الخزي بالخلود في النار في هذه الشريفة ، والله أعلم.
١٩٣ ـ (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ ...) أي سمعنا ووعينا ما نودي به من دعوة للإيمان ، وهو قوله : (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ) أي صدّقوا به وتيقّنوا وجوده وربوبيّته. والكلام في المنادي : هل هو القرآن كما عن بعض الأعلام من العامة الذين استدلوا بأنه ليس كل الناس يسمع النبيّ. وهذا مدحوض ومردود بأنهم قد ظنّوا القضية قضية رؤية منه وسماع من
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
