وما فيهما وما بينهما مقدمة ومعلول لوجود أشرف ، وهو الإنسان. فهو علة غائيّة لما سوى الله تعالى. ومن خواص العلة الغائيّة أنها في مرحلة الإيجاد متأخرة عن معاليلها في مقام التصوّر ، مقدمة على عكس ما سواها من العلل حيث إنها مقدّمة على معلولاتها في الصورتين وفي المرحلتين ، فلا بدّ من إيجاد عالم التكوين أولا ليترتب عليه خلق الإنسان. ولما كان هذا الخلق يضاف إلى قادر حكيم بصير واجد لأوصاف الجلال والجمال أتمّها وأكملها ، فينبغي أن يجعل مصنوعاته ومكوّناته على أحسن النظام وأجوده كمّا وكيفا حتى لا يتطرّق إليه أدنى نقص وزيادة عند أعقل عقلاء عالم الوجود وأعرفهم بالأمور المدنيّة وانتظام الجامعة التكوينية ، فيدل النظام ـ بجامعيّته وتدبير مدبّره ـ على معرفة ذاته : القادر الحكيم ، والصانع العالم الخبير ، حيث إن هذا الخلق ـ طبق هذا النظام البديع الدقيق ـ خارج عن طوق البشر ومن سواه. فيكشف ـ بمقتضى الطبع السليم ، والعقل الفطري المنزّه عن شوائب الأوهام ـ عمّا قلناه بل ان الذي قلناه يطابق الحديث القدسيّ الشريف المعروف : كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف. ومثله في الحديث القدسيّ الآخر ، مخاطبا لنبيّه (ص) : خلقت الأشياء لأجلك ، وخلقتك لأجلي. وهذا سرّ من أسرار الخلق ، وهو الذي فهمناه بتوفيق الله عزوجل وحكمته ، وكم له من حكم ومصالح تخفى على خلقه ولا يعلمها إلّا هو سبحانه أو من خوطب بكتابه ممن عرفوه حق معرفته وقالوا (سُبْحانَكَ) أي منزّه أنت عن أن تخلق شيئا عبثا ، بل جميع أفعالك على موازين الصلاح وقواعد الحكمة البالغة ، لتكون كلها دليلا عليك ، وحجة على توحيدك.
وفي الآية إشارة إلى أن الأفعال القبيحة ـ كالظلم ، والضلالة ، والكفر ، والشّرك ـ ليست بمخلوقة له سبحانه ، لأنها من الباطل وهو غير مخلوق منه تعالى ...
ثم ختم الآية الكريمة بقول المتّصفين بما ذكرنا من صفات الذاكرين
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
