ذلك كله مما أبدع الله تعالى (لَآياتٍ) أي علامات دالّة (لِأُولِي الْأَلْبابِ) أي ذوي العقول ، على موجد مكوّن ، وخالق قديم ، حيث إن الحادث لا بدّ لحدوثه من محدث وموجد قديم وإلّا يلزم الدّور أو التسلسل. وبمقتضى بطلانهما في محله يثبت المدّعى.
فالسماوات والأرض ـ أيضا ـ تدلّان بوجودهما على قدرة عظيمة كاملة لقادر مقتدر غاية الاقتدار ، بحيث لن تكون قدرة فوقها فيما سواه ، وهما علامتان بذاتهما ، لعظمتهما وكون خلقهما من الخوارق المدهشة ، فلا يحصل لبشر أن يدعي خلقهما ولا يفر بشر من المخلوقات السماوية والأرضية. فخلقهما يكشف عن صانع تام الاقتدار في صنعه بحيث لا يوجد له شبيه ولا مثيل أبدا وأزلا. ومن عجيب قدرته ـ كذلك ـ خلق هذه الكرات السابحة في الجوّ من النجوم والكواكب التي لا تحصى كمّا وكيفا وأنظمة ، وتتحيّر فيها عقول الفلاسفة والفلكيّين في كل زمان وكل عصر ، وإلى يوم الدين ، خلقها كلها مع الكون الهائل في ستة أيام ـ قيل إنها من أيام الدنيا ، ولا بدّ من الإذعان لهذا القول إذا تصوّر الإنسان عظمة الله تعالى ـ ثم أعطاها وأعطى كل مخلوق فيها أمره وخواصه في تلك المدة الوجيزة لأنه أمره تعالى يكمن بين الكاف والنون من : كن. ولأنه لا عجب في أن يكون أمره كذلك ـ وبلا تفكير ولا روية ـ بعد أن رأينا خادما مسخّرا لنبيّ من أنبيائه قد أعطاه قدرة على إحضار عرش بلقيس للنبي سليمان عليهالسلام من سبأ في اليمن إلى القدس في فلسطين ، قبل أن يرتد طرف سليمان (ع) إليه ، أي بمقدار ما يلمح الشيء ويراه.
أجل إن القدرة التي منحها لآصف بن برخيا لا يجوز أن نعتبرها أكثر من رشحة تساوي جزءا من مليارات مليارات المليارات من القدرة الالهية. فإنه ـ جلّت قدرته ـ يستطيع أن يخلق الموجودات كلها بأقل من ذلك الوقت ، بل بمثل طرفة العين ، لأن أفعاله تابعة لإرادته ومنوطة بقوله كن حين يريد. فإرادته ـ مجردة ـ خالقة وموجدة للأشياء بعناوينها وبلا قول ولا عمل بدليل الآية الكريمة : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ : كُنْ،
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
