كانوا يقولون إنه كثير الجنّ. ولما علم النبيّ (ص) انصرافه وتأخره أزمع أن يرجع بأصحابه الذين كانت لهم تجارات باشروها لمّا لم تقع المعركة فأصابوا بالدرهم درهمين وربحوا ربحا كثيرا وعادوا إلى المدينة (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) أي لم يصبهم في سفرهم هذا أدنى شرّ من أعدائهم. بل عادوا بالنعم الجزيلة وبالصحة والأمن من كل مكروه (وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ) بإطاعة نبيّهم وتوجههم للجهاد في سبيل الحق والحقيقة مع ما كان بهم من حال العسر المؤلم (وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) ومن فضله توفيقهم لما فعلوا من الامتثال لأمر الله ، والاستجابة لأمر رسوله ، وظهور إيمانهم الراسخ ، وكونهم عادوا بالربح الوفير ولم يقاتلوا عدوّا.
ثم إنه لا بد من إثبات نكتة هامّة هنا ، قد تضمّنتها الآية الشريفة ، وهي قول النبيّ (ص): حسبنا الله ونعم الوكيل ، ذلك القول الذي يقال كلما ساء الإنسان أمر. وينبغي أن يفزع إليه لأنه مجموع كلمات مباركات روي فيه عن الصادق عليهالسلام صحيحا قوله : عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله : حسبنا الله ونعم الوكيل ، فإني سمعت أن الله يقول بعقبها : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. وروي عن ابن عباس أنه قال : آخر كلام إبراهيم عليهالسلام حين ألقي في النار كان : حسبنا الله ونعم الوكيل.
١٧٥ ـ (إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ..) ذلكم : اسم إشارة للبعيد ، وهو مبتدأ. والشيطان خبره. يعني : هو إبليس الذي يوسوس ويغري و (يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) يعني أتباعه ، أي يفزعهم كأن يقول لهم على لسان ذلك الشخص : إن المشركين يستعدون لقتالكم ويجمعون الحشود الكثيرة فاخشوهم واحسبوا حسابهم قبل خروجكم للقائهم. أجل ، هو الشيطان يقصد تثبيطكم عن الجهاد ـ وقد أريد بهذا «نعيم» المذكور سابقا وإن كانت الآية عامة ـ فانتبهوا إلى وسوسته ودسائسه وتسويلاته ، فإن له أعوانا كنعيم وكأبي سفيان وأتباعه ، يعلّمهم المكائد ، ويلقّنهم الأضاليل ليقطعوا سبيل الخير ، ويمنعوا طريق الجهاد بأقاويلهم الكاسدة
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
