كفرهم ونيّتهم وشركهم ، ويقضي به على النخوة العربية والعصبية القومية ، والانقياد له [ص] في أوامره ونواهيه الصادرة عن الله تبارك وتعالى. ولو كان من غيرهم لما صدّقوا قوله ولا آمنوا به في ذلك الجوّ من الجاهلية العصبية الرعناء. فكان من عظيم اللطف بالعرب أن سهّل الله تعالى لهم طريق الإيمان به (ص) إذ جعله منهم وأرسله من أنفسهم ، وجعل من مننه عليهم أن جعل البرهان على صدق الرسالة والمعجز عليها بلغتهم ممّا أنزل من قرآنه الكريم الذي كان الرسول صلىاللهعليهوآله (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) فيفهمون ما يتلوه ـ أي يقرأه ـ ويدركون معاني الآيات ورموزها وإشارتها بلا ترجمة تعسر عليهم ، وكانوا من قبل جهلة لم يسمعوا وحيا ولا نداء حق ، ولا تلا عليهم أحد كتابا سماويّا ، فأيّة منّة هذه ، بل أيّة نعمة أن يرتل النبيّ (ص) تلك الآيات البيّنات عليهم (وَيُزَكِّيهِمْ) أي يطهّرهم من دنس العقائد الجاهلية وأعمالها القذرة ، ويضرب لهم المثل بأقواله (ص) وبأفعاله وبأخلاقه الفاضلة وشيمه الطيبة وسماته المباركة (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) بتعليم ووحي من الله سبحانه يفهمهم به كتاب ربّه وحكمته ، ويرفعهم من مهاوي الرذيلة إلى أعلى مراتب الفضيلة (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) الواو : للحال ، وإن : المخفّفة للتحقيق وبيان الواقع ، أي أن حالهم وديدنهم قبل البعثة في عصر الجاهلية في غاية الضلال والعمى ، ونهاية سوء الحال من حيث المعارف الدينية والسلوك المدنيّ ، بل من جهات الإنسانية طرّا ، إذ كان اتّصافهم بتلك الأوصاف في ذلك الزمان كالنار على المنار.
١٦٥ ـ (أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ..) يعني : لو أصابتكم من أعدائكم مصيبة واحدة في أحد (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها) فإنكم قد أوردتم على أعدائكم يومئذ مصيبتين ، ومع ذلك : (قُلْتُمْ أَنَّى هذا) أي : من أين جاءتنا هذه المصيبة وقد وعدنا الله بالنصر؟ ... فيا محمد بلسان الحال (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أي تأمّلوا وارجعوا إلى تفكيركم الحصيف وعقلكم الرشيد ، لتدركوا أن ذلك كان بما كسبت أيديكم من اختياركم
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
