يكظمون غيظهم ، ويعفون عن المسيء إليهم ، يحسنون الى غيرهم من خلق الله تعالى ، والله تعالى محسن يحب المحسنين. والمحسن لغة هو المنعم على غيره على وجه عار من وجوه القبح ، أو الفاعل للأفعال الحسنة من أقسام الطاعات وأعمال الخيرات المقربة من الله. وأكمل مصاديقها هم الأئمة الإثنا عشر صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، فقد روي أن الامام زين العابدين ، علي بن الحسين عليهالسلام كانت جارية له تسكب الماء على يديه ليتوضأ ويتهيأ للصلاة ، فسقط الإبريق من يدها فشجّه. ورفع رأسه إليها فقالت له الجارية : إن الله تعالى يقول : والكاظمين الغيظ. فقال (ع) : قد كظمت غيظي. قالت : والعافين عن الناس. قال : قد عفا الله عنك. قالت : والله يحب المحسنين. قال : اذهبي لوجه الله ، فأنت حرة.
١٣٥ ـ (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ..) الفاحشة هي ما اشتد قبحه من المعاصي والذنوب التي إذا ارتكبوها (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) أي حمّلوها ما لم تحمل مما هو دون الفاحشة التي هي أيضا من ظلم النفس ، كارتكاب الزنا واللواط وأكل مال الناس ظلما وجميع ما يتعدى ضرره الى الآخرين ونحو ذلك. أما ظلم النفس فهو عبارة عن المعاصي التي تخص الشخص العاصي كالرياء والسمعة وشرب الخمر والحسد والبخل وجميع ما لا يترتب عليه أثر خارجي ، وكالردة فإنها وأمثالها لا تتجاوز الى غير مرتكبها وهي مصاديق ظلم النفس. أما العطف بأو ، فيدل على المباينة بينهما ، والتباين يحصل بما قلناه من الفرق ، مضافا الى ظهور الظلم للنفس في ما حملناه عليه ، كما أن شأن نزول الآية أيضا يؤيدنا ، فإنها نزلت على قول في تيهان التمّار الذي أتته امرأة تبتاع تمرا فقال لها : إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت تمر أجود منه ، وذهب بها الى بيته فضمها الى نفسه فقبّلها ، فقالت له : اتق الله ، فتركها وندم. ثم أتى النبي (ص) وذكر له ذلك فنزلت الآية. فالفاحشة فيها ظلم للغير أيضا وتصرف في سلطانه كما يتضح من شأن النزول.
أما إعراب الآية فقيل فيه : إنها مجرورة عطفا على المتقين ، ولكنه لا
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
