يعرفون أن النهار إذا جاء على هذا السطح من الكرة الأرضية ، يكون الليل قد صار على السطح الآخر المقابل له منها. والحقيقة أن جوابه (ص) في غاية العمق والدقة لأننا نقول : إن القادر على أن يذهب بالليل حيث يشاء وعلى أن يجعل النهار حيث يشاء ، هو قادر على أن يجعل الجنة دون العرش مثلا وفوق السماوات السبع ، وقادر في آن واحد أن يجعل النار تحت الأرضين السبع وفي هاوية ليس لها قرار في العمق ...
وهذه الجنة التي ذكر عرضها كناية عن سعتها (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) أي هيئت وأحضرت للمؤمنين السامعين المطيعين العاملين بجميع أوامره جلت قدرته. ومن هذه الشريفة يظهر أن الجنة مخلوقة ، كما يظهر من الآية السابقة لسابقتها أن نار الجحيم مخلوقة أيضا ، بدليل ما ختمها الله تعالى به : أعدت للكافرين
١٣٤ ـ (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ..) الجملة نعت للمتقين ، فهم الذين يصرفون أموالهم ويبذلونها لوجه الله (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) أي في حالتي اليسر والعسر ، أو بتعبير آخر : حال كثرة المال ، وحال قلته كما عن ابن عباس ، أو هما كناية عن جميع الأحوال ، أي أن ما يعرض للبشر من تحولات وتقلبات لا يؤثر فيهم ولا يمنعهم عن طاعة ولا يدفعهم الى معصية ، ولا يوقفهم عن بذل وإنفاق في سبيل الله ، لأنهم من المؤمنين الراسخين في إيمانهم (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ) من كظم القربة : أي ملأها وشد رأسها. فالمتقون ، مع امتلاء أجوافهم من الغيظ والغضب من جراء بعض المآزق الصعبة العارضة عليهم في دار الدنيا وبسبب ما يرون من الظلم والتعدي على حرمات الله ، كانوا يحبسون غيظهم في صدورهم ، ويردونه بصبرهم ، ويمنعون هيجانه وإثارته بملكة الايمان والتسليم لله تعالى عندهم ، مع قدرتهم على الانتقام. فهم من الصابرين (وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) أي المتسامحين عن زلات غيرهم ، التاركين لمؤاخذة من جنى عليهم أو أضرّ بهم ضررا ينبغي أن يعارضوه بمثله (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) أي الذين يتصفون بهذه الصفات التي هي من الإحسان ، لأن هؤلاء الذين
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
