١٣٠ ـ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ..) كثيرا ما تتوجه الخطابات السماوية الى أهل الايمان أي المصدّقين لشرف منزلتهم وكرامتهم عند الله تعالى. ولكن مفاد تلك الخطابات مشترك بينهم وبين غيرهم من الناس ، ولا سيما في مراحل جعل الأحكام ، فإنها لا تختص بشخص دون شخص ، بل لمطلق إنسان واجد للشرائط ، وفيما نحن فيه وهو أكل الربا حرمته لعامة المكلفين الواجدين لبقية الشرائط ، وكذا غيره من التكاليف. فالأمر موجه لسائر الناس : (لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا) أي الزيادة على أصل المال ، وذلك بأن يضاعف بالتأخير الى أجل بعد أجل ، بحيث يزاد كلما أخر زيادة بعد زيادة. ولعل هذا هو ربا عصر الجاهلية الذي كان شائعا عندهم كما عن عطا ومجاهد ، أو هو كل الزيادة المحرمة في المعاملة التي قد يصير المال بها أضعافا مضاعفة. ووجه النهي عن الربا هو لنحو من جهات المفسدة فيه. بيان ذلك أن الربا بحسب طبعه وطبيعته يترتب عليه جور وتجاوز لحدود ما يقتضيه العدل والإنصاف المحبوبان من الشارع ، ولذلك أمر بهما وجعلهما من أركان نظام الاجتماع في العالم ، فلا بد من رعايتهما حتى لا يوجد في المجتمع البشري فساد كالفساد الذي يحدثه الربا فإن فيه استنزاف واستهلاك مال المديون بما يؤخذ منه تباعا فيبلغ أضعافا مضاعفة بالنسبة لما استدانه. وأي فساد أعظم من هذا ، بل أي ظلم هو أكبر من ذلك؟ فلا تتعاملوا بالربا أيها الناس (وَاتَّقُوا اللهَ) والتقوى هي التي يقوم بها النظام ويستقيم بها الاجتماع ، ويزهق بها الفساد ، ويقضى بها على المحرمات بجميع أشكالها ، وينتشر لواء العدل ويزول الجور عن المؤمنين ، وتحل النصفة وتهيمن روح المجتمع الصالح. وقد اهتم سبحانه بالتقوى اهتماما لم يرد في غيرها لأنها تبرهن عن العمل بالواجبات ، والاجتناب عن المحرّمات ، وأعلى مرتبة فيها هي أن يعمل المؤمن بما هو مأمور به ، وأن يترك ما هو منهي عنه.
وقد ذكر الأكل في النهي عن الربا ، لكون معظم الانتفاع يعود للأكل وإشباع الحواس ، وإن كان غيره من التصرفات منهيا عنه أيضا ، واختص
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
