(أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ضربت زرعهم لأنهم ظلموا أنفسهم بالمعاصي وهذا من التشبيه المركب الذي يبين حال كفرهم مع إنفاقهم ، ويبين إحباط ما جنوه على أنفسهم. ولذا صدر المثال ببيان تلك الريح العاتية المتلفة للحرث ، ليروّع الكافر بعنوان كفره الذي يبعثر عمله كما تبعثر الريح زرع القوم الكافرين. وبعبارة أخرى شبه الله تعالى ضياع ما ينفق الكفار ، بضياع حرث الظالمين وجعله حطاما. وهذا هو التشبيه المركب (فَأَهْلَكَتْهُ) أتلفته وأبادته عقوبة لهم وسخطا عليهم (وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ) بضياع نفقاتهم وإتلاف زرعهم (وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) بارتكابهم ما استحقوا به الإحباط والإهلاك ، حيث لم ينفقوها في مواقع مشروعة يعتد بها. فإنفاق الكافر أو المشرك كزرع على صخر صلد عليه طبقة تراب خفيفة يجرفها مطر وابل ويجعلها جفاء وتصير بلا نتيجة.
١١٨ ـ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ ..) نهاكم الله تعالى أيها المؤمنين عن مخالطة الكفار والميل إليهم خوف الفتنة ، وأمركم أن لا تختاروا لأسراركم أحدا من غير أهل ملتكم ولا تفشوها عندهم. والبطانة هو الذي يعرّفه الرجل أسراره ويثق به. وهذا تشبيه لبطانة الثوب الذي هو خلاف الظّهارة ، وتطلق على أخصاء الإنسان ومواضع سرّه من الذين يستبطنون أمره ويطلعون على أسراره. وهذه الشريفة نظير قوله تعالى : (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ،) إلا أن بينها فرقا وهو أن ما نحن فيه يشير الى حالة دنيوية ، بينما الآية الكريمة الثانية تعني في ظاهرها الحالة الأخروية ، ولكنهما متحدان في الاشتمال على النهي عن مخالطة الكفار والاختلاط بهم ويستفاد من مجموعهما أن في ذلك خسرانا على المؤمنين في الدنيا والآخرة ونظائرهما من الآيات والأخبار في حد الكثرة حتى ليكاد الأمر يقرب من التواتر ، ومع ذلك لم نسمع قول ربنا ولم نتأثر بالآيات ولا بالروايات فكانت النتيجة أن تسلط الكفرة علينا بتأييدنا لهم وتقويتنا إياهم ، فتحكموا بأموالنا وأعراضنا وتعدوا على نواميسنا. ويعز على رسول الله صلىاللهعليهوآله أن يرانا أسراء في أيدي الكفرة ، أذلاء منهزمين
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
