ذلك تأكيدا لبيان الجهات التي يستوجبون بها النكال العاجل والانتقام في العاجل والآجل. والله هنا يتكلم عن شأن النوع من أهل الكتاب ولا يعني أن الأفراد كلهم كذلك ، ولذا قال سبحانه في الآية التالية :
١١٣ ـ (لَيْسُوا سَواءً ..) أي ليسوا جميعهم على شاكلة واحدة في الضلالة والجهالة ، بل (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ) أي أن منهم جماعة مستقيمة عادلة. وذلك مأخوذ من : أقمت العود فقام ، أي أصلحت ما به من عوج. وهؤلاء الجماعة هم الذين أسلموا منهم. والجملة استئناف لبيان نفي استوائهم وكونهم جميعا على شاكلة واحدة ، فمنهم جماعة (يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) وقد عبر سبحانه عن تهجّدهم بتلاوة آيات القرآن ، أي قراءتها ، وبسجودهم تعظيما لله عزوجل. ويحتمل أن يكون المقصود بالتلاوة والسجود هنا صلاة العشاء ، لأن أهل الكتاب ما كانوا يصلّونها قبل إسلامهم ، لكنهم بعد إسلامهم صاروا يصلّونها. والظاهر أن جملة يسجدون عطف على يتلون ، لا أن الواو حالية ، فإنه لم يعهد بين المسلمين أنهم كانوا يتلون القرآن في سجودهم كما هو من لوازم كون الواو للحال .. كما أنه يحتمل في معنى لفظة : قائمة أن يكون معناها قائمة للعبادة : وعلى هذا الأساس يصح أن يكون قوله تعالى : (يَتْلُونَ آياتِ اللهِ) الى آخرها .. بيانا لقوله : قائمة «للعبادة». والآناء جمع أنى أو إني بمعنى الزمان والوقت والفرق بين الزمان والوقت أن الطويل من الأنى يقال له : زمان ، والقصير منه يعبّر عنه بالوقت. وهذا الفرق يتضح لمن يتأمل ويمعن النظر في كلمات الفصحاء وأهل الدقة. ونحن نرى أن الناس يستعملون كل واحد منهما مكان الآخر ، فلا بد أن يحمل ذلك على المجاز لأن الاستعمال أعم من الحقيقة.
١١٤ ـ (يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ..) هذه صفة ثانية للأمة القائمة التي مدحها الله تعالى ، وهم (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) فقد وصفوا بصفات ليست في اليهود المعروف انحرافهم عن الحق وشركهم به تعالى وتغييرهم صفة الخيرات (وَأُولئِكَ)
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
