السبب الذي يتمسك به الإنسان للنجاة من التردي أو السقوط من شاهق. والذي نعتصم به هنا من حبل الله تعالى هو دين الإسلام. أو الكتاب القرين للعترة لقوله صلىاللهعليهوآله في حديث الثقلين : ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي. فإذا لم يعتصم المسلم بهذا الحبل الممدود بين السماء والأرض سقط في مهاوي الضلالة وتيه الغواية والهلكة. فالاعتصام ترشيح للنجاة والفوز ، فتمسكوا به (جَمِيعاً) أي مجتمعين عليه آخذين به (وَلا تَفَرَّقُوا) أي لا تتفرقوا عن الصراط المستقيم والحق السّوي الذي أمرتم به وهديتم اليه لتعتصموا به ولئلا تفرقوا كما تفرق أهل الكتاب باختلافهم. وهذه الجملة إما أنها تأكيد لقوله تعالى : جميعا ، أو هي عطف بيان. والحاصل أن المطلوب هو التمسك الجماعي الذي لم يتم لأنهم لم يأتمروا بأمر ربهم ولا اعتصموا بحبله جميعا فنتج اختلاف الأهواء ولم يدفن النبي (ص) حتى عمت الفرقة المسلمين وستبقى الى اليوم الموعود الذي يظهر فيه الإسلام على الدين كله ، ويا شوقاه لذلك الزمان المبارك الذي تشمل المسلمين الألفة الصحيحة. إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا بإذن الله تعالى ، (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) أي نعمة الايمان فلا تنسوها لئلا تنجروا الى تركها ، واذكروا (إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) أي في عصر جاهليتكم حيث كان الغزو والقتل والسلب والنزاع الدائم ، فمنّ الله عليكم بإرسال محمد صلىاللهعليهوآله رحمة بكم وأنزل عليه القرآن الكريم ، وجاءكم بالإسلام الذي هو خير الأديان ، فجعلكم في ظل هذا النبي الرحيم وهذا الدين الحنيف أصفياء رحماء بينكم (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً) إذ جمع بينكم بالأخوة في الله وفي الدين التي هي الأخوة الصحيحة التي لا تحول ولا تزول ولا تنفصم إذ يشدها الايمان الصادق. وما أقرب قصة اختلاف قبيلتي الأوس والخزرج والحروب التي دامت بينهما مائة وعشرين سنة ، ثم جاء الإسلام فوحد بين قلوب أبنائهما ، وجعلهم إخوانا متحابين متكاتفين (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) بشرككم في جاهليتكم التي كادت تؤدي بكم الى النار (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها) أي خلّصكم
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3700_aljadeed-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
