ولفظة (ما) إبهامية (١) لأن النكرة تزيد إبهاما كقولك : أعتق عبدا ما. أي أيّ عبد كان. وحاصل معنى الآية الشريفة أن الله لا يستحيي : يترك حياء وخجلا ، من ضرب المثل بالبعوضة مع حقارتها. وبما فوقها كالذّباب والعنكبوت مع هوانهما وضعفهما ، لفوائد هامّة يدركها الراسخون في العلم ويعطونها من هم دونهم ليبثّوها في أقرانهم. فلا عجب إذا لم تستطع أذهاننا جلاء الحقيقة المتوخّاة بداهة. وقد قال الامام الصادق عليهالسلام : إنما ضرب الله المثل بالبعوضة ، لأنها على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين (٢) ، لينبّه بذلك المؤمنين إلى لطيف خلقه وعجيب صنعه! .. فهذا المخلوق العجيب ، مع صغر حجمه ، يدلّ على خالق تظهر قدرته في هذا الجرم الصغير ، ويكشف عن توحيده وعظمته ومنع الاختلاف فيه.
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) أما : حرف تفصيل فيه معنى الشرط وتأكيد لمدخوله. والقول يعني أنه مهما يكن من شيء فإنّ المؤمنين يعلمون أنه الحقّ البتّة. ففي تصدير الجملتين مدح بليغ للمؤمنين واعتداد بعلمهم ، وذمّ شنيع للكافرين على حمقهم. والضمير في (أنّه) عائد للمثل أو نضربه. والحق : هو الأمر الثابت الذي لا يجوز إنكاره. (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً) يقولون : أيّ شيء أراد وقصد بهذا المثل. يريدون بذلك هتك كتاب الله والاستهزاء به وبرسوله (ص). وفي قولهم (بهذا) تظهر شائبة الاستحقار بوضوح. ومثلا تمييز. (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) الضلالة والهداية متفرعتان عن الجملتين المتصدّرتين بأمّا. فإن
__________________
(١) أي أنها بنفسها فيها إبهام ، تنكيرها يزيد في إبهامها.
(٢) لعل هذين العضوين الزائدين ، جناحا البعوضة اللذان تطير بواسطتها.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
