إذ لا ملازمة بين ان لا يعرف الإنسان كيفية الشيء وكنهه وان يعتقده من غير شك فيه. فلا أحد الا ويعرف الكهرباء واللاسلكي وغيرهما من إنجازات العصر الحديث ويؤمن بوجود ذلك كله في حين انه لا يعرف كيفية وجود هذه الأشياء. وفي هذه الحال لا يقال إنه شاك فيهما وغير معتقد بصحتهما وجودا.
هذا ومشاهدة الكيفية ـ مع قطع النظر عن الالتذاذ بها ـ هي مزيدة قهرا على اليقين الذي يحصل بالبرهان والحجج على أهل البعث وزيادة اليقين موجبة لزيادة سكون القلب والاطمئنان. فهذا الطلب منه عليهالسلام لا ينافي مقامه السامي. ألا ترى الى استفهام الله جلت قدرته وهو أعلم بالمرء من نفسه كيف جاء استفهاما تقريريا : (قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) أي بقدرتي على الأحياء وإعادة التركيب لكل شيء على ما كان في الدنيا. فانما استفهم سبحانه ـ وهو يعلم أن إبراهيم (ع) أرسخ الناس إيمانا ـ ليجيب بما أجاب وليعلم السامعون غرضه من طلبه حيث (قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي يزداد سكونا واطمئنانا بانضمام العيان إلى البرهان ، حيث إن للعيان أثرا غريبا لا يتضح في الدليل والبرهنة. فلما أجاب الله إبراهيم بجواب متين استجاب الله دعاءه و (قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) جمع طائر كصحب وصاحب أو انه مصدر سمي به والطيور هي : طاووس ، وديك ، وحمام ، وغراب. ولم نجد في كتب التفسير ولا في الروايات جهة معينة لاختيار هذه الأنواع واختصاصها وان كان قد ذكر في كتب العرفاء والمتفلسفين بعض الكلمات والحكم حول اختيارها دون ان يغني ذلك من الحق شيئا. فعلى كل حال ان في اختصاص العدد بأربعة وفي اختصاص هذه الطيور بالذات أسرارا مخفية علينا ومكشوفة عند أهلها كما لا يخفى على أرباب البصيرة والنظر ذاك ان كلام (الحكيم لا يخلو عن حكمة ورموز هامة فاجعلنا اللهم من أهلها بحق كتابك الكريم وبحق من أنزلته عليه. فقد صدر الأمر الالهي : أن خذ أربعة من الطير (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي أجمعهن واضممهن إذ يقال إن من لوازم الأخذ الجمع والضم. والأخذ هنا وبقرينة السياق هو الاختيار لتلك الطيور
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
