والذي جرّأ النمرود على حجاج إبراهيم عليهالسلام في ربّه بالباطل ، هو عتوّه وكبرياؤه ، وذلك (أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ) أي لأنه تعالى أنعم عليه بأعظم نعمة وأعطاه ملك الشرق والغرب ، فطغى وبطر من هذه النعمة الجزيلة ولم يتحمّلها عقله ولا عدّها تفضّلا من الله تعالى بل أنكر خالقه ورازقه والمنعم عليه ، فبعث الله إبراهيم عليهالسلام ليدعوه إلى طريق الحق ويهديه إلى الدين المستقيم (إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) مخاطبا النمرود ، بهذا الكلام القائم على الحذف والتقدير ، أي أن النمرود قال لإبراهيم عليهالسلام : من ربّك؟ .. فأجابه بذلك ، مبتدئا بأول نعمة ينعم الله تعالى بها على خلقه ، ومختتما بآخر آية تدلّ على عظمته إذ لا يقدر عليها غيره. وبيان ذلك أن إفاضته الروح أمر إلهي ، لا يعرف كيف يخرجها من البدن الحيّ من دون تعب ولا حرج ولا نقص في البدن ، ولا إحداث فعل فيه كذبح وفصد وخنق وغيره ، إلا هو جلّت قدرته فما كان من النمرود إلّا أن (قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) أي أنا أحيي من هو مستحق للقتل فلا أقتله فأكون قد وهبته الحياة من جديد ، وأميت إذ أقتل من أشاء من المجرمين. وهو جواب يدل على جهل وحماقة من الكافر المنكر ، لأن عدم القتل إبقاء لحياة موجودة ، وليس إحداث حياة لم تكن ، ولا هو إيجاد لها. فسمع إبراهيم عليهالسلام لجوابه الأحمق ، وأغضى عن الدخول في التفصيل ، بعد أن رآه مموّها أو قاصر الفهم عن معنى الأحياء والإماتة اللّذين أضافهما إبراهيم عليهالسلام الى ربه ، فعدل إلى حجة أخرى أظهر وأقوى تجبه الخصم وتلقمه حجرا ، إذ (قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ ، فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ) واختار احتجاجا ليس فيه تلبيس على أحد في الجواب ، ولا يستطاع التمويه فيه ولا الزندقة ، فطبع الله على قلب خصمه ...
ويحتمل أن يكون مراد إبراهيم عليهالسلام بالحجة الثانية ، هو تبيان للخصم يريه أن من كان من شأنه القدرة على إماتة الأحياء وإحياء الموتى ، لا بدّ أن تكون عنده القدرة على أن يأتي بالشمس من المغرب (فَبُهِتَ
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
