ورفعة درجاتهم وذكر الخاصّ بعد العامّ كثير في القرآن الكريم كما قلنا في ما سبق قال سبحانه وتعالى :
٢١٨ ـ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) ... نزلت في قصة عبد الله بن جحش وأصحابه التي مرّت قريبا ، فقد قال قوم : إنهم وإن سلموا من إثم القتل والأسر ، ليس لهم أجر ولا ثواب بما صدر عنهم. فقال تعالى : ليس الأمر كما تظنّون ، بل الذين آمنوا ، وصدّقوا الله ورسوله بعد ما عرفوهما حقّ معرفتهما (وَالَّذِينَ هاجَرُوا) وتركوا أوطانهم وعشائرهم وأقاربهم ، بل خلّفوا عوائلهم وأهاليهم وبيوتهم ومن كان يلوذ بهم ، وتركوا أموالهم وتركاتهم وكلّ ما كان عندهم (وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) وقاتلوا في إحياء دين الله الذين هم عليه ، وهو سبيله تعالى المشروعة لعباده ويستفاد من الجمع بينها أن استحقاق الثواب يترتّب عليها جميعها لا على واحد منها منفردا إن المؤمنين ، والمهاجرين ، والمجاهدين (أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ) أي يأملونها. والتعبير بالرجاء للتنبيه على أن العبد لا بدّ وأن يكون في جميع أحواله وأعماله بين الخوف والرجاء ، لا يغترّ بأعماله العباديّة ولا ييأس من رحمة الله ولا صدرت منه كبيرة لغلبة نفسه الأمّارة بالسوء نستعيذ بالله من شرها .. ولعلّه سبحانه أراد إيجاب الرجاء والطمع على المؤمنين لأن رجاء رحمة الله من أركان الدين ، كما أن اليأس من رحمته كفر. وقد قال تعالى : (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ). والأمن من عذابه أيضا خسران. فقد قال سبحانه : (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ). فمن الواجب على المؤمن أن يرجو رحمة ربّه ، وأن لا يأمن عقوبته ، وأن يدعو ربّه خوفا ، وطمعا. فاليأس من أكبر الكبائر لأنه ينتج عن سوء ظنّ به جلّ وعلا .. وقوله تعالى : يرجون ، وإن كان في الظاهر جملة خبريّة ، إلّا أنّها في مقام الأمر. وقد أتى بها لأنها آكد في المراد على ما بيّن في محلّه ، ولذا قلنا : أراد الله سبحانه إيجاب الرجاء والأمل (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ويحتمل أن تكون هذه الجملة في مقام ردّ سوء ظنّ بعض الكفرة الذين قالوا في ابن جحش وأصحابه : ليس لهم أجر ولا ثواب ، فقال سبحانه :
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
