وآله : عليكم بدين العجائز ، فيه إشارة إلى ما ذكرنا من تحصيل المعرفة عن طريق مطالعة حقائق هذه الموجودات وفطرتها ، للتوصل إلى معرفة صانعها ومدبّرها .. ثم كرّر سبحانه عظمة هذه الآية بقوله : (وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) ليشير في هذه الآية الكبرى إلى أن ذلك مسخّر ومأمور ، أي متذلّل خاضع للنواميس التي أبدعها له الله ، سواء كان واقفا أو متحرّكا ، فليس له اختيار في وقوفه ولا في حركته ، ولا في حمل الماء من منابعه التي أمره الله سبحانه أن يأخذ منها ويحمله إلى أرجاء المعمورة ، كما أنه لا شأن له في اختيار الأمكنة ، ولا بالكميّة ولا بالكيفيّة ولا في غير ذلك من الجهات المرتبطة به. هذا ، وليس السحاب وحده مسخّرا بحسب جبلته التكوينيّة ، بل جميع آياته عزّ وعلا بين يدي قدرته فيما هو راجع لها ، لأنها بذاتها مفطورة من لدنه على ذلك. فهذه الجهة الدقيقة في تسخير السحاب بين السماء والأرض حسب مشيئة الصانع ، هي أدلّ دليل على الصانع وتوحيده ، وأعظم حجة على وجوده ، فتعالى الله عما يقول الجهلة الظالمون عليهم لعائن الله ، فإن في ذلك (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي أنها كلّها دلائل واضحة وبراهين ساطعة على صانع وحيد ، لكنها ليست كذلك لجميع البشر ، بل لطائفة خاصة وقوم موفّقين للتعقّل والتأمّل في الكون والكائنات ، فإنهم وحدهم يعرفون الصانع الخالق ، وهذا ما يسمّى بالدليل اللّميّ.
١٦٥ ـ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ) ... من ، هنا للتبعيض ، أي أن بعض الناس يتّخذ غير الله أمثالا له من الأصنام والرؤساء الضالّين المضلّين فيتّبعونهم ، بدلالة قوله تعالى في الآية اللاحقة : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا). وقال الباقر عليهالسلام : هم أئمة الظّلمة وأشياعهم (يُحِبُّونَهُمْ) يوادّونهم ويعظّمونهم ويخضعون لهم وينقادون لأوامرهم ، وحبّهم لهم (كَحُبِّ اللهِ) أي كما يحبّ الله ، وقد استغنى عن ذكر الفاعل لكونه معلوما.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
