١٥٦ ـ (الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) ... في الأثر : كلّ شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة ، أي نكبة. فالمؤمنون إذا أصابتهم أيّة بليّة (قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) والجملة هذه إقرار من العبد بوجود الصانع تعالى : واعترف له بالمالكية ، واعتراف بالبعث والحشر للجزاء في يوم القيامة. وهذا الاعتراف يدل على إيمانهم بأنهم مبعوثون كما كانوا قبل الموت ، لا كما يقول الطّبيعيون من أن الإنسان إذا مات فات وانعدم كالنّبات الذي يذهب بعد يباسه ولا يكون له حشر ولا نشر ولا سؤال ولا جواب ، لأن هؤلاء يقولون : وما يهلكنا إلّا الدهر كما كان قد أحيانا!!
ولا يخفى أن الدهريّين إذا كانوا يعتقدون أن للدهر والطبيعة هذه القوّة والقدرة ، بحيث تخلق الإنسان وتحييه وتميته ، وتوجد موجودات أخرى : من ذوي الحياة على اختلافها ، ومن الجمادات مع اختلاف آثارها وخواصّها ، وتميّز كل واحد من هذه الأجناس والأنواع ، وتتكفّل بالأرزاق وتنبت وتتلف ، وتخلق وتعدم ، وتحيي الإنسان وتهلكه ، نقول إذا كان للطبيعة أو الدهر هذا الإدراك وهذا التنظيم وهذه القدرة ، فإن هذه الطبيعة أو هذا الدهر ، هو الله تعالى باصطلاحنا. والفرق بيننا وبينهم لا يأتي إلا من ناحية الاسم لا في المسمّى ، فهم قائلون بوجود الصانع من حيث لا يشعرون ، ومنكرون للبعث والمعاد كنظرائهم من الوثنيّين والفلاسفة الملحدين ، وغيرهم من أرباب الأديان الذين يعترفون بالصانع وينكرون المعاد مع كونهم موحّدين على ما هو مسطور في كتب أرباب الكلام والفلسفة الماورائية .. وقضية إبراهيم عليهالسلام ـ على ما حكاها الله تعالى ـ شاهد صدق على ما قلناه من أن الكثيرين من الناس موحّدون ومع ذلك أشكل عليهم أمر المعاد أو أنهم أنكروه. لأن إبراهيم عليهالسلام على ما هو عليه من الإيمان ـ إذا لم يكن قلبه مطمئنا ، فلا عجب إذا شكّك غيره أو ضلّ ، حاشا رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
