يخالف ملّتهم ويوافق قبلتهم ، فيرجى أن يدخل في منهاجهم ودينهم .. وعلى كل حال فقد كان التكرار (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) وبهذا يردّ احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة تكون قبلته الكعبة ، ثم تردّ مقالة المشركين بأنه يخالف قبلة إبراهيم (ع) أو يدّعي أنه على ملّته ، فيطعنون بذلك عليه ويستهزئون (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) وظاهر الاستثناء أنه من الناس فيكون متّصلا. ومعناه أن التحوّل ليس بأمر من الله تعالى بل برأي المسلمين ومن عند أنفسهم تعصّبا عربيّا وطنيّا!.
وإنما سمّي قولهم حجة ـ مع أن الظالم لا يكون له حجة ـ لأن ما يوردونه هو باعتقادهم حجة وإن كانت باطلة ، كما قال تعالى : (حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ، أي ليست بحجة عنده سبحانه. بل حجة عندهم باعتقادهم الفاسد. وإطلاق الحجة على ما يورد الخصم الظالم هو نوع من المماشاة حتى يسمع قول داعي الحق فلعلّه يتأثّر به .. أما الظالمون (فَلا تَخْشَوْهُمْ ، وَاخْشَوْنِي) فلا لا تخافوهم فإنّ مطاعن الظّلمة لا تضرّكم أبدا ، وأقوالهم تردّ عليهم ، وخافوني ولا تخالفوا أوامري ونواهيّ إن كنتم مؤمنين حقّا (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) عطف على : لئلّا يكون. فإن في تولية الوجوه نحو الكعبة فوائد كثيرة ، منها ردّ غائلة الناس ، ونفي حجتهم ، كما أن منها إتمام النعمة فإن الصلاة إلى الكعبة أفضل من غيرها ، وإلّا لما وقع التحوّل ، أو أنه يحوّل تبعيضا زمانيا حتى يجمع بين دفع قائلة أهل الكتابين والآخرين من الذين يشاركونهم في حججهم الداحصة. فانحصار القبلة بالكعبة أقوى دليل على الأفضلية التي تتم بها النعمة.
أمّا التأخير في التّولية نحو الكعبة ثلاثة عشر شهرا (ستة في مكة وسبعة في المدينة) فلمصالح عديدة قد أشرنا إلى بعض منها ، كقول المشركين أن التحوّل من رأيه لا من ربّه (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إلى أن التحويل إتمام للنعمة ، فلا بدّ من شكر المنعم بإطاعته فيما أراد منكم. وعن النبيّ (ص): تمام النعمة دخول
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
