عمران (ع) لما نزلت عليه الألواح خطر بباله أنّه ليس في الأرض أعلم منه. فابتلاه الله باتّباع الخضر وسؤاله عن تفسير أحداث ووقائع قام بها الخضر وخفي وجه حكمتها على موسى عليهماالسلام كما ترى في سورة الكهف فيما يلي. أمّا يوسف عليهالسلام فقال : وإلّا تصرف عنّي كيدهنّ أصب إليهنّ : يعني بمقتضى طبيعتي البشرية. أما إذا شملتني الإفاضات العاصمة الحافظة لي من ميول الطبع البشريّ الإمكانيّ ، فأنا في حصن العصمة من الزلل ، والأمن من كل سوء. فهو مع كونه نبيّا استعان بالله واستعصمه حين رأى نفسه في ضيق المزلقة يخشى الوقوع في بيداء الهلكة بوجوده الإمكانيّ البشري لو لا أن ينجيه ربّه .. وبحكم اتّحاد الملاك في الأنبياء نحكم بأنهم جميعا هكذا. فالآيات المذكورات بهذا الشأن تدلّنا على سرّ من أسراره ، وترشدنا إلى كثير من ألطافه بعباده ، حيث ينبّههم ويذكّرهم بما فيه الهلاك ليحترزوا منه .. فقد صرف الله عن يوسف كيد النساء ، وعصمه من الزّلل في عالم الإثبات ..
نعم ، إن مراتب الأنبياء مختلفة ، فيمكن أن يقال : إن بعضهم في عالم الثبوت متنعّمون بنعمة العصمة كنبيّنا (ص) ، أو أنّنا نعمّ بهذا لحكم أولي العزم من الرّسل. لكن ليس لنا دليل غير الاحتمال. لكن ثبتت هذه النسبة إلى خاتم الأنبياء (ص) لأنه قال : كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين ، فقولنا فيه محقّق ظاهرا لأنه أشار إلى عالم غير عالمنا الذي نعبّر عنه بعالم الإثبات وبتعبيرنا نسمّيه بعالم الثبوت. فلا يمكن أن يكون نبيّا وغير معصوم!. وأما في غيره فليس عندنا دليل إلا الاحتمال العقلي. والعصمة الموهوبة حتى في عالم الثبوت لا تنافي ما قلناه من أنهم من حيث البشرية والإمكانية سواء (١) في صدور
__________________
(١) نشير بهذه المناسبة إلى ما صدر عن نبيّنا صلوات الله عليه من قضية تحريم العسل على نفسه الشريفة حين تآمرت عليه المرأتان ـ زوجتاه ـ وادّعتا بأنهما تشمّان من فمه الشريف ريح المغافير لأنه شرب عسلا من عند زوجته التي تكرهانها ، فحرّم العسل على نفسه مع ـ
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
