ولو شاء لخلّى بين ذلك وبين حدوث الفعل ووقوع الضّراء بتقديره وقدرته (وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) لأنهم يقصدون به الشرّ ، والشّرّ ليس بنافع لهم (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ) أي أن اليهود علموا أن من استبدل السحر بدينه أو بكتاب الله ، ورهن عقيدته الدينية بالسحر (ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) ليس له في الآخرة من حظ ولا نصيب (وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) أي باعوها بالحقير (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) أنهم قايضوا الدين بالسحر ، والآخرة بالدنيا!.
فإن قيل : في قوله سبحانه : (وَلَقَدْ عَلِمُوا) ... إلى قوله : لا يعلمون .. كيف أثبت لهم العلم أولا مؤكدا بلام القسم ، ثم نفاه عنهم حين قال : لو كانوا يعلمون؟. فيقال في الجواب : المثبت لهم أنهم علموا علما إجماليّا أن من اختار السحر ما له في الآخرة من نصيب. لكنّ المنفيّ عنهم هو أنهم لا يعلمون علما عن تفكّر وتدبّر فالمنفيّ غير المثبت ، ولا تنافي بينهما كما أنه لا تنافي بين الإجمال والتفصيل.
١٠٣ ـ (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) ... أي اليهود أو السحرة ، لو أنهم آمنوا بمحمد (ص) ، وبكتابه المنزل عليه ، وتجنّبوا المعاصي التي يرتكبونها كتاب الله ، واتّباع السحرة ، وتكذيب الرسول ، لو فعلوا ذلك (لَمَثُوبَةٌ ، مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ) من السّحر. وإنما كان يستقيم أن يقال : خير من ذلك ، إذا كان في كل واحد من ذلك خير ولا خير في السّحر ، ولكن الله تعالى خاطبهم على اعتقادهم أن في تعلّم السّحر خيرا ، نظرا منهم إلى حصول مقاصدهم الدنيوية حين يعملون بالسحر .. وجواب لو : أي لو فعلوا لأثيبوا مثوبة وقد أتى بالجملة الاسمية للإشارة إلى الدوام والثبات الذي هو شأنها. وحذف الفعل للقرينة المقامية أو المثوبة. وتنكير المثوبة رمز إلى عظيم الثواب الذي ينال من عند رب العالمين ، ورمز للاهتمام بشأنه عند أرباب العلم ، لما اختصّه سبحانه وعلّقه بقوله (خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) يدركون حقيقة الأمر.
![الجديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الجديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3699_aljadeed-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
