الله عليه وسلم على ماعز بن مالك وعلى الغامدية مع قوله : «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له» (١) ومثل إقامة الحد على من شرب النبيذ المتنازع فيه متأولا ، مع العلم بأنه باق على العدالة ... وكذلك نعلم أن خلقا لا يعاقبون فى الدنيا مع أنهم كفار فى الآخرة ، مثل أهل الذمة المقرين بالجزية على كفرهم ، ومثل المنافقين المظهرين الإسلام فإنهم تجرى عليهم أحكام الإسلام وهم فى الآخرة كافرون كما دل عليه القرآن فى آيات متعددة كقوله : (إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) (٢) الآية ، وقوله : (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ، يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٣) الآية وهذا لأن الجزاء فى الحقيقة إنما هو فى الدار الآخرة ، التى هى دار الثواب والعقاب. وأما الدنيا فإنما يشرع فيها من العقاب ما يدفع به الظلم والعدوان كما قال تعالى : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٤) وإذا كان الأمر كذلك فعقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة ولا بالعكس. ولهذا أكثر السلف يأمرون بقتل الداعى إلى البدعة الّذي يضل الناس لأجل فساده فى الدين سواء قالوا هو كافر أو ليس بكافر.
وإذا عرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم ـ بحيث يحكم عليه بأنه من الكفار ـ لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية ، التى يتبين بها أنهم مخالفون للرسل ، وإن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر.
__________________
(١) انظر : خبر ماعز بن مالك وخبر الغامدية فى صحيح مسلم : ٣ / ١٣١٩ ـ ١٣٢٣ وانظر : فتح البارى : ١٢ / ١١٧ ، ١٢٠ ـ ١٢١ ، ١٣٥ ـ ١٣٦.
(٢) سورة النساء / ١٤٥.
(٣) سورة الحديد / ١٢ ـ ١٤.
(٤) سورة الأنفال / ٣٩.
![المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة [ ج ١ ] المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3696_almasael-walrasail-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
