وخمسمائة ، قال : وكان أوحد الدّهر ، فريد العصر ، فاشتمل عليه عزّ الدّين فرّوخ شاه (١) بن شاهنشاه بن أيّوب ، ثمّ ابنه الأمجد صاحب بعلبكّ ، ثمّ تردّد إليه بدمشق الملك الأفضل عليّ ابن صلاح الدّين ، وأخوه الملك المحسن ، وابن عمّه الملك المعظّم عيسى ابن العادل. وقال ضياء الدّين بن أبي الحجّاج الكاتب عنه : كنت في مجلس القاضي الفاضل ، فدخل فرّوخ شاه ، فجرى ذكر شرح بيت من «ديوان» المتنبّي ، فذكرت شيئا فأعجبه ، فسأل القاضي عنّي ، فقال : هذا العلّامة تاج الدّين الكندي ، فنهض فرّوخ شاه ، وأخذ بيدي ، وأخرجني معه إلى منزله ، ودام اتّصالي به. قال : وكان الملك المعظّم يقرأ عليه دائما ، قرأ عليه «كتاب» سيبويه نصّا وشرحا ، وكتاب «الحماسة» وكتاب «الإيضاح» وشيئا كثيرا ، وكان يأتي من القلعة ماشيا إلى دار تاج الدّين بدرب العجم والمجلّد تحت إبطه.
وحكى ابن خلّكان (٢) أنّ الكنديّ قال : كنت قاعدا على باب أبي محمد ابن الخشّاب النّحويّ ، وقد خرج من عنده أبو القاسم الزّمخشريّ وهو يمشي في جاون خشب لأن إحدى رجليه كانت سقطت من الثّلج.
ومن شعر الكنديّ :
|
دع المنجّم يكبو في ضلالته |
|
إن ادّعى علم ما يجري به الفلك |
|
تفرّد الله بالعلم القديم فلا |
|
الإنسان يشركه فيه ولا الملك |
|
أعدّ للرّزق من إشراكه شركا |
|
وبئست العدّتان : الشّرك والشّرك |
وله :
|
أرى المرء يهوى أن تطول حياته |
|
وفي طولها إرهاق ذلّ وإزهاق |
|
تمنّيت في عصر الشّبيبة أنّني |
|
أعمّر والأعمار لا شكّ أرزاق |
|
فلمّا أتى ما قد تمنّيت (٣) ساءني |
|
من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق |
|
يخيّل لي فكري إذا كنت خاليا |
|
ركوبي على الأعناق والسّير إعناق |
__________________
(١) وردت : «فرّخ شاه» ، وترد «فرّوخ شاه» كما هنا ، كما ترد «فرخ شاه» متّصلة.
(٢) في وفيات الأعيان ٢ / ٣٤٠.
(٣) في وفيات الأعيان : «فلما أتاني ما تمنيت ...» ومثله في : بغية الوعاة.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٤ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3629_tarikh-alislam-44%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
