عن العصر حتّى كادت تفوت ، فخرج وأوسعهم لوما وقال : ما أرى صلاتكم إلّا لنا ، وإلّا فما منعكم أن تقدّموا رجلا؟ فقد قدّم أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم عبد الرحمن بن عوف حين دخل وقت الصّلاة ، وهو عليهالسلام غائب ، أما لكم أسوة؟ فكان ذلك سببا لقطعه الإمامة (١).
وكان يقعد للنّاس عامّة لا يحجب عنه أحد ، حتّى اختصم إليه رجلان في نصف درهم ، فقضى بينهما وأمر بضربهما قليلا ، وقال : أما كان في البلد حكّام قد نصبوا لهذا.
ثمّ بعد هذا بقي يقعد في أيّام مخصوصة. واستعمل على القضاء أبا القاسم بن بقيّ ، فشرط عليه بأن يكون قعوده بحيث يسمع حكمه في جميع القضايا وهو من وراء ستر.
وكان يدخل إليه أمناء الأسواق في الشّهر مرّتين ، فيسألهم عن أسواقهم ، وأسعارهم ، وحكّامهم. وكان إذا وفد عليه أهل بلد سألهم عن ولاتهم وقضاتهم ، فإذا أثنوا خيرا قال : اعلموا بأنّكم مسئولون عن هذه الشّهادة يوم القيامة. وربّما تلا : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ) (٢).
قال : وبلغني أنّه تصدّق سنة إحدى وتسعين قبل خروجه إلى الغزوة بأربعين ألف دينار. وكان كلّما دخلت السّنة أمر أن تكتب له الأيتام والمنقطعون ، فيجمعون إلى عند قصره ، فيختنون ، ويأمر لكلّ صبيّ منهم بمثقال ، وثوب ، ورغيف ، ورمّانة. هذا كلّه شهدته (٣).
وبنى بمرّاكش بيمارستانا ما أظنّ في الدّنيا مثله ، أجرى فيه مياها كثيرة ، وغرس فيه من جميع الأشجار ، وزخرفه ، وأمر له من الفرش بما يزيد على الوصف. وأجرى له ثلاثين دينارا كلّ يوم برسم الأدوية. وكان كلّ جمعة يعود فيه المرضى ويقول : كيف حالكم؟ كيف القومة عليكم؟.
__________________
(١) المعجب ٣٦١.
(٢) سورة المائدة ، الآية ٨.
(٣) القول لعبد الواحد المراكشي في (المعجب) ٣٦٤.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٢ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3622_tarikh-alislam-42%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
