يكن قد حصل بعدوّ الله إبليس من السرور والمعاصي ما حصل ، فكم حصل بسبب وجوده ووجود جنوده من طاعة ، هي أحبّ إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله ، ومخالفة هوى النفس وشهوتها له ، ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته ، وأحبّ شيء للحبيب أن يرى محبّه يتحمل لأجله من الأذى والوصب (١) ما يصدق محبته.
|
من أجلك قد جعلت خدّي أرضا |
|
للشامت والحسود حتى ترضا |
وفي أثر إلهي : بغيتي ما يتحمل المتحملون من أجلي. فلله ما أحب إليه احتمال محبيه أذى أعدائه لهم فيه وفي مرضاته ، وما أنفع ذلك الأذى لهم ، وما أحمدهم لعاقبته ، وما ذا ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه ، قرة عيونهم به ، ولكن حرام على منكري محبة الرب تعالى أن يشمّوا لذلك رائحة ، أو يدخلوا من هذا الباب ، أو يذوقوا من هذا الشراب.
|
فقل للعيون العمي للشمس أعين |
|
سواك يراها في مغيب ومطلع |
|
وسامح يئوسا لم يؤهّل لحبّهم |
|
فما يحسن التخصيص في كل موضع |
فإن أغضب هذا المخلوق ربّه ، فقد أرضاه فيه أنبياؤه ورسله وأولياؤه ، وذلك الرضا أعظم من ذلك الغضب ، وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي والمخالفات ، فإنه سبحانه أشدّ فرحا بتوبة عبده من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه ، إذا وجدها في المفاوز المهلكات. وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ورسله من هذا العدو ، فقد سرّه وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه ، وهذا الرضاء أعظم عنده وأبرّ لديه من فوات ذلك المكروه المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب ، وإن أسخطه أكل آدم من الشجرة ، فقد أرضاه توبته وإنابته وخضوعه وتذلله
__________________
(١) الوصب : المرض.
